الظاهر (= الظني) نصًَّا لم يكن يقصر إطلاق النص عليه، بل كان يطلقه على كل واضح سواء أكان ظنيا أم قطعيا، يدلك على هذا تعريفه للنص بأنه (( كل خطاب عُلم ما أريد به من الحكم ) ) [1] . وهذا أعمُّ من أن يكون ظنيا أو قطعيا.
وعلى هذا فنحن نشكِّك في وجود اصطلاح خاصٍّ بالنص يقصره على اللفظ ظني الدلالة على المعنى لا في كلام الشافعي ولا غيره.
وأما بالنسبة لكلام الغزالي المنقول آنفا فلنا رأيٌ في تفسيره سنأتي إليه بعد قليل.
الاصطلاح الخامس:
يُطلق فيه النص على (( ما لا يتطرق إليه احتمالٌ مقبول يعضُدُه دليل، أما الاحتمال الذي لا يعضده دليل فلا يُخرِجُ اللفظَ عن كونه نصًَّا، فكان شرطُ النص ... [بهذا الاصطلاح] ... أن لا يتطرق إليه احتمالٌ مخصوص، وهو المعتضِد بدليل ) ). ذكره الغزالي [2] .
وبناء عليه يمكننا القول بأن النص في هذا الإطلاق يكافئ أو يرادف (( الظاهر المحتمِل غير المؤول ) )،كالعام الذي لم يقم الدليل على تخصيصه، والأمر الذي لم يقم دليلٌ على صرفه إلى غير الوجوب عند من يرى أن الأمر ظاهرٌ في الوجوب.
ولأني لم أجد أحدًا يذكر هذا الاصطلاح للنص حتى من الذين جاءوا بعد الغزالي، ولأني لم أجد الغزالي يقدِّم دليلا واحدا على وجود هذا الاصطلاح في لغة الأصوليين بدا لي أمران محتملان:
أحدهما: أنه من الممكن أن يكون الغزالي، قد أخطأ في التوصيف هاهنا مرة أخرى كما قلته آنفا بالنسبة للنص بمعنى الظاهر (= الظني) ، حيث اغتر حينئذٍ بإطلاق الشافعي اسم النص عليه فجعله مرادفا له، والحق كما بينا أنه أعم منه. وكذلك نقول: اغتر الغزالي مرة أخرى بإطلاق اسم النص على اللفظ (( المحتمِل غير المؤول ) )في لغة بعض الأصوليين، لا سيما متقدمي الحنفية، فجعلهما مترادفين مع أن النص، عندهم، يشمل (( المحتمل غير المؤول ) )ويشمل غيره.
والاحتمال الثاني: وهو الذي نميل إليه، أن الغزالي لما قال: (( النص اسم مشترك يُطلق في تعارف العلماء على ثلاثة أوجه ) )، فذكر:
(1) نقله: أبو الحسين البصري، المعتمد، ج 1، ص 294. والزركشي ـ بواسطة إلكيا الطبري ـ، البحر المحيط، ج 1، ص 362.
(2) الغزالي، المستصفى، ج 1، ص 386.