المقصد الثاني
أنواع الأثر الذي تلقيه قرائن الدلالة على النصوص
وهذا الأثر، كما أسلفنا، ينحصر في خمسة أنواع من التأثير هي:
1)التأكيد.
2)التأويل.
3)التكميل. ويطال النصين: المشتمل على الدلالة الظاهرة، والمشتمل على الدلالة القاطعة.
4)التفسير. ويطال النص المشتمل على الدلالة المجملة.
5)الترجيح. ويطال النص المشتمل على الدلالة المشتركة.
الأثر الأول: تأكيد ظاهر النص:
ظاهر النص: هو المعنى [1] الذي يدل عليه النص دلالة راجحة، أو قُل: دلالة ظنَّية. ويقابله (( النص ) )ـ وإذا شئت تمام المقابلة بينهما قلت: (( نَصُّ ) )النَّصِّ ـ وهو المعنى الذي يدل عليه النص دلالة قاطعة.
ويقابل الظاهرَ، من جهة أخرى، المؤوَّلُ، أو مؤول النص. وهو المعنى الذي يدل عليه النص دلالة مرجوحة، أو قل: متوهمة، أو قل: محتملة. وتجتمع هذه الأنواع الثلاثة من المعاني المنبثقة عن النص في قوله تعالى: {فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} (النور:4) فهو ظاهر أو ظني في وجوب الجلد، نص أو قطعي في عدد الجلدات، مؤول أو موهوم أو محتمل في مندوبية الجلد.
وتأكيد الظاهر ـ ويسمِّيه الحنفية بـ (( بيان التقرير ) ) [2] ـ معناه: زيادة ظن المتلقي بأن هذا المعنى هو المعنى المقصود من النص لا غيره من المعاني المحتملة.
(1) لاحظ أن الظاهر، والمؤول، وإلى حد ما (( النص ) )، هي ـ في لغة الأصوليين ـ أوصاف: إما للفظ، كما نقول: اللفظ ظاهر في هذا المعنى أو (( نص ) )فيه أو مؤول. وإما للمعنى المستفاد من اللفظ، كما نقول: ظاهر النص أو مؤوله هو المعنى كذا وكذا. وقد سبق لنا التعريف بهذه المصطلحات من حيث هي أوصافٌ للفظ، وهاهنا عرفناها على أنها أوصاف لمعنى اللفظ. والنتيجة على كلا الحالين واحدة.
(2) قال السرخسي، أصول السرخسي، ج 2، ص 28: (( أما بيان التقرير: فهو في الحقيقة الذي يحتمل المجاز والعام المحتمل للخصوص، فيكون البيان قاطعا للاحتمال مقررا للحكم على ما اقتضاه الظاهر، وذلك نحو قوله تعالى: {فسجد الملائكة كلهم أجمعون} فصيغة الجمع تعم الملائكة على احتمال أن يكون المراد بعضهم، وقوله تعالى: (( كلهم أجمعون ) )بيانٌ قاطعٌ لهذا الاحتمال فهو بيان التقرير. وكذلك قوله تعالى: {ولا طائر يطير بجناحيه} يحتمل المجاز لأن [ساعي] البريد [لسرعته] يُسمَّى طائرا، فإذا قال (( يطير بجناحيه ) )بيَّن أنه أراد الحقيقة )) .