وهذا التأكيد ـ عن طريق قرينة الدلالة:
إما أن يبلغ بالظاهر إلى درجة القطع فيصير اللفظ: ظاهرا بنفسه، قاطعا (= نصا) بغيره. ومثاله قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ} (الأنفال:15) إذ يدل هذا النص بنفسه على حرمة التولي عند القتال دلالة ظاهرة، لأن صيغة النهي (( لا تولوهم ) )ظاهرة في التحريم مؤولة في غيره كما هو رأي الجمهور. لكن لما اقترن هذا النص بالنص التالي له القائل: {وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} (الأنفال:16) دلّ، بواسطة هذه القرينة، على تحريم التولي، لغير التحرُّف والتحيز، قطعا. قال ابن القيم: (( للظهور مراتب تنتهي إلى اليقين والقطع بمراد المتكلم، [وذلك] بحسب الكلام في نفسه، وما يقترن به من القرائن الحالية واللفظية، وحال المتكلم به، وغير ذلك ) ) [1] . وقال الغزالي: (( إن القرائن قد تجعل العام [وهو من الظواهر] نصا يمتنع تخصيصُه. مثاله: أن المريض إذ قال لغلامه: لا تُدخل علي الناس. وقرينة الحال تشهد لتأذيه بلقيانهم. فأدخل عليه العبد جماعة من الثقلاء، وزعم أني خصَّصت لفظك بمن عداهم، استوجب التعزير ) ) [2] .
وإما أن لا يبلغ تأكيدُ القرينة بالظاهر إلى درجة القطع بدلالته وإنما يقوي منها فحسب. ومثاله قوله تعالى: {وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} (البقرة:222) ، فالأمر (( فاعتزلوا ) )ظاهر في الوجوب. ولقد تأكد هذا الظاهر، لكن لا إلى درجة القطع، بالعلة المُمَهِّدة له، وهي قوله: (( قل هو أذى ) )، إذ الواجب على المسلم أن يجتنب ما هو أذى عموما، لكن قد يحتمل الأمر باجتناب الأذى ـ احتمالا بعيدا ـ غير الإيجاب كالندب. وعلى الرغم من بُعد هذا الاحتمال إلا أنه يُعكِّر على قطعية النص.
فإن قيل: وما الفائدة العملية أو الثمرة الأصولية لهذا الأثر الذي أسميتَه بـ (( التأكيد ) )بنوعيه: الموصل إلى القطع، والمقوي للظن، مع العلم بأن الدلالة الظاهرة هي دلالة مفيدةٌ لمعناها ومحتجٌّ بها باتفاق، سواء تأكدت أو لا.
فالجواب: هو أن فائدة التأكيد الموصل إلى القطع هي عصمة الظاهر المؤكَّد عن التأويل، سواء أكان هذا التأويل: تخصيصا للعام، أم تقييدا للمطلق، أم صرفا للحقيقة إلى المجاز، أم غير ذلك من وجوه التأويل. وبهذا تحصل الثقة والطمأنينة التامة بمدلول النص، ونقطع دابر الخلاف والتقوُّل فيه.
(1) ابن القيم، إعلام الموقعين، ج 3، ص 107.
(2) الغزالي، المنخول، ص 182.