فهرس الكتاب

الصفحة 127 من 384

ونتيجةً لعدم الانتباه لهذه القرائن المؤكِّدة للظواهر، زعم من زعم من الأصوليين بأن غالب الشريعة ظنية، مُدّعيا (( عِزَّة النّصوص ) ). قال إمام الحرمين: (( اعتقد كثير من الخائضين في الأصول (( عزَّة النصوص ) )، حتى قالوا: إن النص في الكتاب قوله عز وجل: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} (الاخلاص:1) ، وقوله تعالى: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ} (الفتح:29) ، وما يظهر ظهورهما. ولا يكاد هؤلاء يسمحون بالاعتراف بنص في كتاب الله تعالى هو مرتبط حكم شرعي. وقضوْا بندور النصوص في السنة، حتى عَدُّوا أمثلةً معدودة محدودة. منها: قوله، صلى الله عليه وسلم، لأبي بردة بن نيار الأسلمي في الأضحية، لما ضحى، ولم يكن على النّعت المشروع: (( تجزئك ولا تجزئ أحدا بعدك ) ) [1] . وقوله، عليه السلام،: (( اغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها ) ) [2] . وهذا قول من لا يحيط بالغرض من ذلك. والمقصودُ من النصوص [= القواطع] : الاستقلالُ بإفادة المعاني على قطع، مع انحسامِ جهات التأويلات، وانقطاعِ مسالك الاحتمالات. وهذا، وإن كان بعيدا حصوله بوضع الصيغ، ردا إلى اللغة، فما أكثر هذا الغرضَ مع القرائن الحالية والمقالية، وإذا نحن خُضنا في باب التأويلات، وإبانة بطلان معظم مسالك المؤولين، استبان للطالب الفَطِن أن جُلّ ما يحسبه الناسُ ظواهرَ معرضةً للتأويلات فهي نصوص. وقد تكون القرينة إجماعا أو اقتضاء عقل أو ما في معناهما )) [3] .

ولم يقنع الشاطبي، وهو الذي اشترط، أوَّلَ كتابه، في الدليل الأصولي أن يكون قطعيا، قائلا: (( المقدمة الأولى: إن أصول الفقه في الدين قطعية لا ظنية ) ) [4] : ـ أقول: لم يقنع الشاطبي بما عوّل عليه إمام الحرمين من القول بـ (( القرائن ) )كوسيلة لدفع دعوى (( عزة النصوص ) )، فقال: (( المعتمدُ بالقصد الأول الأدلةُ الشرعية. ووجود القطع فيها ـ على الاستعمال المشهور [5] ـ معدومٌ، أو في غاية الندور، أعني في آحاد الأدلة، فإنها إن كانت من أخبار الآحاد فعدم إفادتها القطع ظاهر، وإن كانت متواترة، فإفادتها القطع موقوفة على مقدمات جميعها أو غالبها ظني، والموقوف على الظني لا بد أن يكون ظنيا. فإنها تتوقف على: نقل اللغات، وآراء النحو، وعدم الاشتراك، وعدم المجاز، والنقل الشرعي أو العادي، والإضمار، والتخصيص للعموم، والتقييد للمطلق، وعدم الناسخ، والتقديم والتأخير، والمعارض العقلي. وإفادةُ القطع مع اعتبار

(1) البخاري، الصحيح، (902) ، كتاب الجمعة، باب الأكل يوم النحر. ومسلم، الصحيح، (3625) ، كتاب الأضاحي، باب وقتها.

(2) البخاري، الصحيح، (2147) ، كتب الوكالة، باب الوكالة في الحدود. ومسلم، الصحيح، (3210) ، كتاب الحدود، باب من اعترف على نفسه بالزنا.

(3) الجويني، البرهان، ج 1، ص 278.

(4) الشاطبي، الموافقات، ج 1، ص 29.

(5) والاستعمال المشهور للقطع هو إرادة انتفاء الاحتمال عن اللفظ أصلا. ويستعمله الحنفية في نفي الاحتمال الناشئ عن دليل لا في نفي الاحتمال أصلا كما يفعل الجمهور. وقد سبق لنا شيء من الكلام على هذه القضية في الباب الأول خلال تعرضنا للاصطلاحات التي قيلت في النص.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت