فهرس الكتاب

الصفحة 128 من 384

هذه الأمور متعذر. وقد اعتصم من قال بوجودها بأنها [أي: آحاد الأدلة] ظنية في أنفسها، لكن إذا اقترنت بها قرائن مشاهدة أو منقولة فقد تفيد اليقين )) . قال الشاطبي: (( وهذا كله نادر أو متعذر ) ). وإذن ـ كما يقول دراز ـ (( فلا يفيد الاعتصام به بحالة مطردة في سائر الأدلة كما هو المطلوب ) ) [1] .

فإذا كانت القرائن نادرة ولا تطّرد وجودا لكي تدفع الظنية عن الأدلة فما هو الحل إذن؟ لا سيما والشرط، عند الشاطبي، في أدلة الأصول، أن تكون قطعية لا ظنية. يتابع الشاطبي قائلا: (( وإنما الأدلة المعتبرة هنا [أي في الأصول] : (( المستقرَأةُ ) )من جملة أدلة ظنية تضافرت على معنى واحد حتى أفادت فيه القطع، فإن للاجتماع من القوة ما ليس للافتراق ... )) [2] .

إذن، فالشاطبي يُعوِّل على (( الاستقراء ) )أو (( استقراء الأدلة ) )ـ لا القرائن ـ لنفي الظنية عن أدلة الشريعة لا سيما أدلة الأصول. والذي نجده، بعد التأمل، أن استقراء الشاطبي لا يخرج عن معنى القرينة والاقتران، لكنه اقتران لا يتخذ النمطَ الفرديّ، أو المتعددَ المحصور، كما هو المعهود في القرائن (( المشاهدة والمنقولة ) )التي ذكرها الشاطبي، أو (( المقالية والحالية ) )التي ذكرها إمام الحرمين، وإنما النمطَ المكثَّف: المتعدد والمتنوع في الآن نفسه. أما التعدد، أي كثرة الأدلة الدالة على المعنى، فهو يعطي المعنى المستقرأ قطعية ثبوته إذا كانت كل أدلته المستقرَأة، على حدتها، ظنية الثبوت. وأما التنوع، ونعني به اختلاف وجه دلالة كل دليل من الأدلة المستقرأة على هذا المعنى عن غيره من الأدلة، فيعطيه القطعية في دلالته.

وفي المحصلة نجد أن الفائدة الأصولية لقرائن الدلالة المؤكِّدة للظاهر هي:

1.عصمة النص المشتمل على الظاهر من التأويل.

2.حصول تمام الثقة به حتى يمكن جعله أصلا عند من يشترطون في أدلة الأصول أن تكون قطعية.

3.رجحانه على كل ما عداه من الأدلة الظنية المعارضة.

وهذا كله بشرط أن تبلغ القرائن المؤكِّدة لظاهر النص إلى درجة القطع به على نحو ما يفعله الاستقراء أو غيره من القرائن. أما إن لم تبلغ به إلى درجة القطع فهي تفيد في:

1.زيادة الثقة بمدلول ظاهر النص، لأنه وإن لم يبلغ القطع فقد اقترب منه بقدر ما.

2.زيادة الثقة بثبوت النص الذي اشتمل على الظاهر إذا كانت القرينة العاضدة له هي عبارة عن نص آخر. فيما قد يسمى بـ (( التعاضد ) )أو (( التصحيح بالشواهد ) ).

(1) انظر تعليقه على الشاطبي، الموافقات، حاشية ص 29.

(2) الشاطبي، الموافقات، ج 1، ص 35،36.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت