فهرس الكتاب

الصفحة 79 من 384

لقوله تعالى {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ} (البقرة:43) ؛ لأنه بيان شرطها، وفي الوقت نفسه، هو مبتدأ بالنسبة لما روي عنه، صلى الله عليه وسلم،: (( أنه كان يٌقبِّل بعض نسائه ويُصلِّي ولا يتوضأ ) ) [1] ، لأن هذا الحديث قرينة على أن المراد باللمس في النَّص السالف هو الجماع لا التقاء البشرة بالبشرة.

النَّص والخطاب:

فإن قيل: هلا عبَّرت عن هذا الشرط بدلا عن النص بالخطاب [2] فيكون مفهومُ القرينة شاملا لجميع القرائن التي يستخدمها الفقهاء والأصوليون: سواءٌ أََستخدموها في تبيُّن دلالات النصوص الشرعية أو ثبوتها أو إحكامها أو رجحانها أم استخدموها في تبيُّن دلالات أقوال المكلفين من أيْمان ونذور وطلاق ووقف ووصية ووكالة وغير ذلك.

فالجواب: هو أني اقتصرت في مفهوم القرينة الأصولية على النص، انطلاقا من أن ميدان عمل الأصولي هو (( الأدلة وكيفية الاستدلال بها ) ). وبالتالي، لم أره من عمل الأصولي أن يتطرق إلى بيان القواعد التي تُفَسَّر على ضوئها أقوال المكلفين، إذ ليست هذه الأقوال أدلَّةً، في حدِّ ذاتها، تُستخرج منها الأحكام، وإنما هي مناطات ومتعلقات لأحكامٍ سبق استخراجها من أدلتها. فينظُرُ المفتي، عند عرض القول عليه من طلاق أو يمين أو غير ذلك، أيَّ الأحكام المستخرجة لديه من أدلتها، هو الذي يناسب القول المعروض فيفتي به.

وإذا لم تكن هذه الأقوال (( موضوعًا ) )لعمل الأصولي فهو ليس معنيا بها. بل هو معني بنصوص الشارع وباقي الأدلة الشرعية التي تنتج الأحكام.

هذا فضلا عن الفروق الجمَّة بين منهجية التلقي التي تحكم عملية تفسير النص الديني، وبين منهجية التلقي التي تحكم تفسير الخطاب البشري. وأصل هذه الفروق أمران:

الأول: اختلاف حال المتكلم في كليهما، ومن هنا فقد تعامل العلماء مع النص الديني، والقرآن بدرجة أساس، على أنه نصٌّ كامل، منزه عن الخطأ والتناقض والتخالف، ونفى عنه الكثيرون الترادف والتكرار والزيادة، وألغى بعضهم أن يكون معنى من معانيه غير مقصود، وإن كان إشاريا، لأنه خطاب العليم الذي لا تغيب عنه غائبة، وأثبت بعضهم لقيوده من شرط وصفة وغيرها مفهوما مخالفا بخلاف غيره وفعل قوم بالعكس. وقال الجمهور بأن

(1) رواه أصحاب السنن واختُلف في صحته وضعفه. انظر: الترمذي، السنن، (79) ، كتاب الطهارة، باب ما جاء في ترك الوضوء من القبلة. وأبو داود، السنن (152) ، كتاب الطهارة، باب الوضوء من القبلة. والنسائي، السنن، (170) ، كتاب الطهارة، باب ترك الوضوء من القبلة، وابن ماجة، السنن، (495) ، كتاب الطهارة وسننها، باب الوضوء من القبلة.

(2) الخطاب فيما اخترناه في الفصل الأول أعمُّ من النص من حيث هو يشمل قول الشارع وغيره كأقوال المكلفين. أما النص إذا أطلق فلا يشمل سوى قول الشارع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت