من أن يكون قطعيا أو ظنيا، ظن أن ذلك ناتج عن كون العام بصيغة الجمع قاطعا في جزء من دلالته، وهي التي تكافئ أقل الجمع، ظنيا في الباقي. ويؤيد رأيَنا هذا عدمُ ذكره ـ أي القرافي ـ لاصطلاح النص بمعنى الواضح (= القطعي + الظني) من بين الاصطلاحات الثلاثة التي ذكرها في النص مما يؤكد كونه غفل عن كون النص مستعملا بهذا الاصطلاح، ولذا استعاض عنه باستنتاجه لاصطلاحه المذكور.
واستنتاجه هذا ليس صوابا فيما نرى؛ لأنا قد بينا في التمهيد لهذا المطلب أنْ لا خطاب أصلا إلا وتعتريه الدلالتان القطعية والظنية بالنسبة للمعاني المختلفة في الوقت نفسه، وحينئذٍ، وبناء على تعريف القرافي، يجوز وصف كل خطاب بأنه نص، وبالتالي ينعدم الفرق بين النص بمعنى الخطاب الشرعي مجردا، أو بتعبير القرافي (( ما دل على معنى كيف كان ) ) [1] ، وبين النص بهذا الاصطلاح الجديد، لأن النص في كلا الإطلاقين سيدل على معنى ما قطعا وعلى آخر ظنا، وقد جعلهما القرافي اصطلاحين مختلفين لا واحدا؟!
الاصطلاح السابع:
يُطلق فيه النص على: (( ما ازداد وضوحا على الظاهر بمعنى من المتكلم لا في نفس الصيغة ) ). (( والظاهر هو اسمٌ لكل كلام ظهر المراد به للسامع بصيغته ) )قالهما البزدوي [2] . وقال السرخسي: (( فأما النص فما يزداد بيانا بقرينة تقترن باللفظ من المتكلم ليس في اللفظ ما يوجب ذلك ظاهرا بدون تلك القرينة ) ) [3] . وقال: صدر الإسلام أبو اليسر: (( النص فوق الظاهر في البيان لدليلٍ في عين الكلام ) ) [4] . وقال اللامشي: (( النص ما فيه زيادة ظهور، سيق الكلام لأجله، وأريد بالإسماع باقتران صيغة أخرى بصيغة الظاهر ) ) [5] .
ولعلك أدركت من خلال الأسماء التي نقلنا عنها هذه التعريفات أن هذا الاصطلاح خاصٌ بالحنفية، بل بالمتأخرين منهم فحسب، إذ قد وجدنا الجصاص (ت 370 ه (مثلا،
(1) انظر: القرافي، شرح المحصول، ج 5، ص 2275.
(2) البزدوي، أصول البزدوي، ج 1، ص 123 - 124.
(3) السرخسي، أصول السرخسي، ج 1، ص 164.
(4) نقله: البخاري، كشف الأسرار، ج 1، ص 126.
(5) نقله: البخاري، كشف الأسرار، ج 1، ص 126. قال عبد العزيز البخاري مجليا الفرق بين الظاهر والنص في عُرف المتأخرين: (( ذكروا أن قصد المتكلم إذا اقترن بالظاهر صار نصًَّا، وشرطوا في الظاهر أن لا يكون معناه مقصودا بالسوق أصلا، فرقًا بينه وبين النص، قالوا: لو قيل: رأيت فلانا حين جاءني القوم. كان قوله جاءني القوم ظاهرا في مجيء القوم لكونه غير مقصود بالسوق. ولو قيل ابتداء: جاءني القوم كان نصا في مجيء القوم لكونه مقصودا بالسوق، وهذا لأن الكلام إذا سيق لمقصود كان فيه زيادة ظهور وجلاء بالنسبة إلى غير المسوق له ) ). كشف الأسرار، ج 1، ص 124.