2.وإما أن تقترن بالنص الشرعي، كقولهم: قولُه تعالى: {حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ} (ص:32) يعني الشمس، وحذفُها إنما هو لدلالة الحال عليها [1] ، وكقولهم: متى جاء عن الصحابي تخصيص عموم أو تقييد مطلق نأخذ به لأنهم أقْعَدُ في فهم القرائن الحالية [2] . والقرينة في هذا الاستعمال هي (( قرينة حالية أصولية ) )يصدق عليها تعريفنا لقرينة الدلالة بأنها: ما اقترن بالنص فأثر على دلالته ... .
3.وإما أن تقترن بما هو عام يصدق على الخطاب البشري والنص الشرعي على حدٍّ سواء، كقولهم: مطلق الكلام يتقيد بدلالة الحال [3] ، وقولهم: للظهور مراتب تنتهي إلى اليقين والقطع بمراد المتكلم بحسب الكلام في نفسه وما يقترن به من القرائن الحالية ... [4] . والقرينة في هذا الاستعمال يصح أن تكون أصولية وأن تكون فقهية.
من خلال تعريفنا لـ (( الحال التي ورد فيها الخطاب ) )لا شك بأنك تدرك بأن المقصود بقولنا (( معنى الحال التي ورد فيها الخطاب ) )، أو (( معنى الحال ) )اختصارا، أو (( دلالة الحال ) )، هو الأثر الذي تلقيه المعرفة بهذه الحال على المعنى المقالي للخطاب.
فمعنى المقال، كما قلنا، معنى يتسم بالاحتمالية والقصور. والحال هي أداة من الأدوات التي يلجأ إليها المتلقي أو المتدبر ليحدّ من هذه الاحتمالية بقدر الإمكان. وما هذا إلا لأن الحال تلقي أثرا توضيحيا على معنى مقال الخطاب. مثال ذلك: قوله، صلى الله عليه وسلم: (( ليس من البر الصيام في السفر ) ) [5] ، فعلى الرغم من عموم العبارة (( الصيام في السفر ) )بحيث تدل هذه الصيغة على حرمة أو كراهة كل صيام في كل سفر ولكل أحد، فقد ذهب جمهور الفقهاء إلى أن حكم الكراهة خاص فقط بمن شقّ عليه الصوم في السفر، أما من لا يشق عليه الصوم، فهو في حقه مندوب. وقد اعتمدوا في هذا التخصيص على قرينة السبب الذي ورد بشأنه الحديث، وهو رؤيته، صلى الله عليه وسلم، رجلا مستلقيا يُظلل عليه من
(1) انظر: الجصاص، أحكام القرآن، ج 5، ص 355.
(2) انظر: الشاطبي، الموافقات، ج 3، ص 338.
(3) البركتي، قواعد الفقه، ص 123.
(4) انظر: ابن القيم، إعلام الموقعين، ج 3، ص 107.
(5) البخاري، الصحيح، (1810) ، كتاب الصوم، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم لمن ظلل عليه واشتد الحر: ليس من البر الصيام في السفر. ومسلم، الصحيح، (1879) ، كتاب الصيام، باب جواز الفطر والصوم للمسافر في شهر رمضان في غير معصية إذا كان سفره مرحلتين فأكثر وأن الأفضل لمن أطاقه بلا ضرر أن يصوم ولمن شق عليه أن يفطر.