الذي سماه الرازي بـ (( الخطاب الذي يكفي نفسه في إفادة معناه ) ) [1] . وأمثلته عزيزة: منها: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} (النساء:23) .
والنوع الثاني: محتاج إلى القرينة من نصوص أخرى، كقوله تعالى: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} (الأنعام:141) ، فإنه قد احتاج إلى قوله، صلى الله عليه وسلم،: (( فيما سقت السماء والعيون العشر، وفيما سُقي بنضح نصف العشر ) ) [2] ، لبيان قدر هذا الحق المأمور بإيتائه.
2.والنص القرينة: هو النص الذي لا ينظر إليه الفقيه إذا أراد استنباط الحكم مبتدَءًَا أو مكتفيا بنفسه في إفادة الحكم، وإنما مقترِنا مع نص آخر: كالنص الذي دلالته الخصوص مع الذي دلالته العموم. وكالنص الذي يدل على الشرط مع النص الذي يدل على المشروط. وكالنص الذي يدل على السبب مع النص الذي يدل على المسبَّب. وكالنص الذي يدل على الناسخ، مع النص الذي يدل على المنسوخ. ومن أمثلته قوله، صلى الله عليه وسلم،: (( لا تُقبل صلاةٌ بغير طهور ) ) [3] مع قوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ} (البقرة:43) وقوله، صلى الله عليه وسلم: لمّا سُئل عما يُوجب الحج: (( الزاد والراحلة ) ) [4] ، مع قوله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} (آل عمران:97) .
3.والنص المبتدأ والقرينة في الوقت نفسه، ولنسمِّه (( المختلط ) ): وهو نوعان:
أحدهما: النص الذي يأتي بحكم ما ابتداء، ولكن حين يصحبه ـ في نظر المجتهد ـ نصُّ مثله تماما، جاء لتقرير حكم ابتداء، يحصل من اقتران أحدهما بالآخر حكمٌ جديد، وهو ما أسميناه سابقا بـ (( التركيب ) ). ومثاله: قوله تعالى: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا} (الأحقاف:15) ، وقوله تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} (البقرة:233) ، حيث حصل من تركُّب هذين النصين (( المُختلطين ) )أنه يجوز في مدة الحمل أن تكون ستة أشهر، كما تفطن لذلك سيدنا علي، رضي الله تعالى عنه.
والنوع الثاني: النص الذي يكون مبتدَءًَا بالنسبة لنص آخر وقرينةً بالنسبة لنص ثالث، فهو مبتدأ من جهة، قرينة من جهة أخرى. ومن أمثلته قوله تعالى: {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} (النساء:43) ، هو قرينة
(1) الرازي، المحصول، ج 1، ص 472.
(2) البخاري، الصحيح، (1388) ، كتاب الزكاة، باب العشر فيما يسقى من ماء السماء. ومسلم، الصحيح، (1630) ، كتاب الزكاة، باب مافيه العشر ونصف العشر.
(3) مسلم، الصحيح، (329) ، كتاب الطهارة، باب وجوب الطهارة للصلاة.
(4) الترمذي، السنن، (741) ، كتاب الحج عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب ما جاء في إيجاب الحج بالزاد والراحلة قال الترمذي: (( هذا حديث حسن والعمل عليه عند أهل العلم ) ).