الفرع الأول
النوع الأول من أنواع القرائن الحالية
حال الخطاب
عندما عَدَّد أنواع القرائن الحالية ذكر الشاطبي في أولها (( حال الخطاب من جهة نفس الخطاب ) ) [1] . فمنه أخذنا تسمية هذا النوع من القرائن الحالية. والمقصود بحال الخطاب: موضوع الخطاب، أو قُل: حال ما يخبر عنه الخطاب، أو بعبارة أخرى، الحال التي تختص بالمدلول الخارجي لمفردات الخطاب. وقد سبق لنا التمثيل لمثل هذا النوع من القرائن بالعبارة: ابتلعت الكمثرى الأفعى [2] . فمعرفتنا بحال الأفعى وحال الكمثرى في وجودهما الخارجي هو الذي جعلنا نميز الفاعل من المفعول به في الجملة. ويسمي الحنفية هذا النوع من القرينة بـ (( بدلالة محل الكلام ) ). قال البزدوي: (( وأما الثابت بدلالة محل الكلام، فمثْلُ قولِه تعالى: {وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ} (فاطر:19) سَقَطَ عمومُه، وذلك حقيقة، لأنَّ محل الكلام، وهو المخبر عنه، لا يحتمِله؛ لأنّ وجوه الاستواء قائمة [أي بين الأعمى والبصير في كثير من الأمور، كالذكورة مثلا] فوَجَبَ الاقتصار على ما دلت عليه صيغة الكلام، وهو التغايُر في البصر )) [3] .
هذا، وقد سبق لنا القول: إن القرينة الحالية من هذا القبيل تلتقي وتترادف مع قرينة المادة المعجمية من مواد المقال أو ما يُسمى بالقرينة المعنوية [4] . ولقد كان في ودنا أن ندرج هذا النوع من القرائن في مواد المقال أو السياق فقط ثم نكتفي بذلك ولا نعود لإدراجه وتكرار الكلام فيه هنا في القرائن الحالية. لكن منعنا من ذلك أمران:
أحدهما: شيوع إطلاق مصطلح (( القرينة الحالية ) )على مثل هذا النوع من القرائن في لغة العلماء.
والأمر الآخر: أنه ثمة صور من (( قرائن حال الخطاب ) )لا يمكننا أن ننسبها إلى أي من مواد المقال أو السياق. ولنضرب على ذلك مثلين:
• أحدهما: قرينة المعرفة بموضوع الخطاب جملة. إذ المعرفة بموضوع الخطاب ككل تضفي تأثيرا توضيحيا لا يخفى على الخطاب. ثم إنا لا نستطيع أن ننسب هذه المعرفة إلى
(1) الشاطبي، الموافقات، ج 3، ص 347.
(2) ص 253.
(3) البزدوي، أصول البزدوي، ج 2، ص 190،191.
(4) ص 253.