مواد المقال أو السياق، بل هي معرفة مصدرها العالم الخارجي للخطاب. ونتيجة لهذه القرينة فإنه من الملاحظ أن المتخصصين في علم ما، أكثرُ قدرة من غيرهم على فهم كلام بعضهم بعضا، لا من جهة كونهم يفهمون اصطلاحات العلم الذي اختصوا به فحسب، بل ومن جهة إحاطتهم بموضوع العلم الذي اشتركوا فيه أيضا. ومن نتائج هذه القرينة، أيضا، أنه إذا أخذ متحدثٌ في وصف شيء ما ثم لم يفصح عن اسم هذا الشيء الموصوف، فإن المتلقي لا يشعر بوضوح كلامه بالدرجة نفسها فيما لو أفصح عن اسم الشيء الموصوف. وبسبب عدم توافر هذه القرينة قديما لدى الناظرين في بعض النصوص الشرعية لم تتضح معاني بعض آيات الكتاب الكريم حق الاتضاح إلا في العصر الحالي، وذلك بعد توافر المعرفة العلمية بموضوعها، وتلك نحو قوله تعالى: {وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ} (النمل:88) الذي لم يتضح حق الاتضاح ـ كما هو رأي بعض أنصار التفسير العلمي ـ إلا بعد المعرفة بدوران الأرض حول نفسها وحول الشمس. وقوله، تعالى: {خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ} (العلق:2) فقد قالوا قديما بأن العلق هو الدم الجامد. والصواب أنه ما يعلق في الرحم من الخلايا المتكاثرة والمتكتلة على هيئة دودة (( العلقة ) ) [1] ، كما ثبت ذلك في علم الأجنة.
• والمثل الثاني: قرينة المعرفة بالأشياء أو الأشخاص، التي أو الذين، يشتمل عليهم الخطاب. فالخطاب ربما اشتمل على ألفاظٍ لا يوفر المعجم لها معنى، وإذا وفره فربما لا يكون دقيقا أو تاما، ويُطلِق المتكلم هذه الألفاظ بناء على اعتقاده بمعرفة المخاطَب بأوصاف المقصود فيها. وتلك كأسماء الأشخاص والقبائل، وأسماء البلاد والأماكن، وأسماء الأدوات. فقول أحدهم لآخر: (( هذا هو زيد ) )يتوقف فهم المراد منه على المعرفة بحال زيد هذا. فربما يكون زيد هذا رجلا شريرا مؤذيا، معلوما لدى المتخاطبيْن، فحينئذٍ يكون معنى العبارة: هذا هو زيد فهيا نغرب عن وجهه من قبل أن نُصاب بأذى. وقد يكون زيد صديقا للمتخاطبَيْن، فحينئذ يكون المعنى: هذا هو زيد فتعال نسلم عليه ـ مثلا. وقد يكون زيد هذا مجرما، والمتخاطبان هما من قوات الأمن، فحينئذ يكون المعنى: هذا هو زيد فتعال نقبض عليه. وهكذا ... .
وتطبيق عمليٌ دقيقٌ لهذه القرينة على النص الشرعي هو ما أفتى به الإمام أحمد عندما سأله أحدهم قائلا: إني أُحب امرأتي، وأبي يأمرني بطلاقها، فماذا أعمل؟ فقال له العالم: أمسك عليك امرأتك. فقال السائل: وماذا تقول في الذي رُوي عن ابن عمر أنه قال: كانت تحتي امرأة كان عمر يكرهها، فقال: طلقها، فأبيت، فأتى عمرُ رسولَ الله، صلى الله عليه
(1) قال في مختار الصحاح ـ المادة علق: (( العَلَقُ: الدم الغليظ، والقطعة منه عَلَقةٌ. والعَلَقةُ، أيضا: دودةٌ في الماء تمصُّ الدم، والجمع عَلَقٌ. وعَلِقَتِ المرأة: حبلت. وعَلِقَ الظبي في الحبالة. وعلقت الدابة: إذا شَربت الماء فعلقت بها العَلَقة ) ).