المطلب الثالث
قرائن الترجيح
نصير إلى الجمع بين النصين، إن أمكن الجمعُ بلا تكلف، وإلا فالنسخ إن أمكن، وإلا فالترجيح.
هذه هي القاعدة العامة التي وضعها الأصوليون لحل الإشكال الناجم عن تعارض النصوص. قال ابن السمعاني: (( اعلم أنه إذا تعارض خبران فلا يخلو: إما أن يمكن الجمع بينهما، أو يمكن ترتيب أحدهما على الآخر في الاستعمال فإنه يُفعل أيضا. فإن لم يمكن، وأمكن نسخ أحدهما بالآخر فإنه يُفعل. فإن لم يمكن رُجِّح أحدهما على الآخر بوجه من وجوه الترجيح ) ) [1] .
ووجوه الترجيح هذه هي ما نقصده بـ (( قرائن الترجيح ) ). وهي دلائل تحتف، أو تقترن، بالنص فتدل على كونه راجحا أو مرجوحا. قال ابن الحاجب: الترجيح (( هو اقتران الأمارة [2] بما تقوى به على معارضها ) ) [3] . وقال الآمدي: الترجيح: (( هو اقتران أحد [الدليلين] الصالحين للدلالة على المطلوب ـ مع تعارضهما ـ بما يوجب العمل به وإهمال الآخر ) ) [4] . وقال ابن رشد في تعريف أسباب الترجيح: (( هي قوانين تقترن بدليلٍ دليل وسندٍ سند وتكاد لا تتناهى ) ) [5] ، وسماّها أيضا بـ (( القرائن التي يقع بها ترجيحُ طرق النقل ) ) [6] .
هذا، ولقد تفنن الأصوليون في ضبط هذه القرائن وتعدادها والتمثيل لها مما أغنانا عن تكلف تعدادها أو شرحها أو وضع تقسيم لها كما فعلنا بالنسبة إلى غيرها من القرائن [7] . لكن
(1) ابن السمعاني، قواطع الأدلة، ج 1، ص 404.
(2) الأمارة في اصطلاح المتكلمين، وجرى على ذلك كثير من الأصوليين، هي الدليل الظني. ومما يُعد من قبيل الأدلة الظنية: النص ظني الثبوت، و النص ظني الدلالة، و النص ظني الثبوت والدلالة معا. انظر: أبو الحسين البصري، المعتمد، ج 2، ص 189 وما بعدها.
(3) ابن الحاجب، منتهى الوصول، ص 222.
(4) الآمدي، الإحكام، ج 4، ص 320.
(5) ابن رشد، الضروري، ص 146.
(6) ابن رشد، الضروري، ص 146.
(7) والتقسيم الجامع لهذه القرائن هو أنها: إما أن تعود إلى السند، و إما إلى المتن، وإما إلى مدلول النص، أو إلى أمر من خارج. انظر للشرح والتوضيح: الآمدي، الإحكام، ج 4، ص 324 - 365، والزركشي، البحر المحيط، ج 6، ص 149 ـ 179. وابن النجار، شرح الكوكب المنير، ج 4، ص 627 ـ 711.
هذا، وثمة تقسيم انفرد به الطوفي [: سليمان بن عبد القوي، البلبل في أصول الفقه، عالم الكتب، بيروت، ط 1، 1420 هـ=1999 م، ص 116] ، وتبعه عليه ابن بدران [المدخل، ص 395] يظهر فيه أن الطوفي يميز بين المرجِّحات فيخص بعضها باسم القرينة بينما لا يطلق على الباقي هذا الاسم.
قال: (( الترجيح اللفظي: إما من جهة السند، أو المتن، أو القرينة:
أما الأول: فيقدم المتواتر على الآحاد لقطعيته، والأكثر رواة على الأقل ...
وأما الثاني: فمبناه تفاوت دلالات العبارات في أنفسها فيرجح الأدل منها فالأدل، فالنص مقدم على الظاهر، وللظاهر مراتب ...
وأما الثالث: فيُرجَّح المجرى على عمومه على المخصوص، والمتلقى بالقبول على ما دخله النكير ... . وما عضده عموم كتاب أو سنة أو قياس شرعي أو معنى عقلي على غيره ... )) . وعلى هذا، فهو يخص اسم القرينة بالمرجِّح الخارجي الداعم لمعنى النص. والمختار أن اسم القرينة يشمل جميع المرجحات لا المرجح الخارجي فحسب؛ لأنها، سواء أكانت داخلية أو خارجية متعلقة بالسند أو المتن، لا تخرج عن كونها دلائل تحتف بالنص. لكن لا مشاحّة في الاصطلاح.