بحمل أحدهما على حالة والآخر على أخرى، أو أحدهما على وقت والآخر على آخر، وغير ذلك من وسائل الجمع والتوفيق بين النصوص.
وأما التكافؤ بين النصين: الأصل والقرينة، فهو ضروري عند من لا يجيزون نسخ قطعي الثبوت بظنيه وهم الجمهور [1] .
وأما تأخر النص القرينة على الآخر، فلمعرفة الناسخ منهما من المنسوخ؛ إذ ليس أحدهما ـ ما داما نصين متكافئين ـ أولى بأن يكون ناسخا من الآخر. والتأخر نفسه يُعرف بقرائن، يصدق فيها الوصف، أيضا، بأنها: قرائن (( قرينة النسخ ) ). ومن هذه القرائن:
إشعار النص الناسخ بأن النص المنسوخ قد تقدمه، كقوله تعالى: {الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا} (الأنفال:66) بعد قوله: {إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} (الأنفال:65) أو العكس: أي أن يُشعر النص المنسوخ بأن ثمة ناسخ قد يتبعه: كقوله تعالى في الزانيات: {فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا} (النساء:15) مع قوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} (النور:2) .
ومنها: صريح قول الرسول، صلى الله عليه وسلم. كما في الحديث: (( كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزورها ... ) ) [2] . فقوله (( كنت ) )يقتضي تقدم النهي.
ومنها: صريح قول الصحابي: كما في (( كان آخر الأمرين من رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ترك الوضوء مما مست النار ) ) [3] . أو قوله في نص ما بأنه منسوخ بنص آخر ثم يذكره، فهذا دليل على تأخر الثاني. أو قوله هذا نزل في سنة كذا وهذا في سنة كذا.
ومنها: أن يرتبط النص الأصل بحدث والنص القرينة بحدث آخر متأخر: كأن يرد قول للنبي، صلى الله عليه وسلم، في غزوة ما ثم يرد قول معارض في غزوة أخرى متأخرة.
ومنها: أن تنقطع صحبة الصحابي راوي النص الأصل، بموت أو غيره، قبل بدء صحبة الصحابي راوي النص القرينة؛ لتأخر إسلامه أو تأخر لقائه النبي، صلى الله عليه وسلم.
وغير ذلك مما ذكره الأصوليون في باب دلائل النسخ [4] .
(1) انظر، القرافي، شرح تنقيح الفصول، ص 244.
(2) مسلم، الصحيح، (3651) .
(3) النسائي، السنن، (185) . وأبو داود، السنن، (164) .
(4) انظر: الزركشي، البحر المحيط، ج 4، ص 152. وابن السمعاني، قواطع الأدلة، ج 1، ص 437. والقرافي، شرح تنقيح الفصول، ص 251.