فهرس الكتاب

الصفحة 105 من 384

فقائم الوجود فعلا: هو النص الذي وقفنا عليه فوجدناه معارضا للنص الأول، مكافئا له، متأخرا عنه. وعلى هذا يكون النص بهذه الأوصاف هو نفسه دليل أو قرينة نسخ النص الأول. قال أبو الحسين البصري في تفصيل ما أسماه بالقرائن السمعية: (( هي بيان نسخ أو بيان تخصيص ... ) ) [1] . وقال، أيضا: (( والقرائن الناسخة ... يفتقر العلم بها إلى العلم بجملة الناسخ والمنسوخ ) ) [2] . وقال الرازي في القرائن السمعية: (( هي الأدلة التي تقتضي تخصيص العموم في الأعيان، وهو المُسمّى بالتخصيص، أو في الأزمان، وهو النسخ ... ) ) [3] . فجعلا الدليل المبين للنسخ أو المقتضي له هو القرينة بذاته. ولا غضاضة في هذا، وإن لم تجر بذلك ـ أي بالتعبير عن الناسخ بالقرينة ـ عبارات باقي الأصوليين. فإنه كما يُقال في النص الذي وجدناه يخصص نصا آخر بأنه قرينة مقترنة بالنص العام دالة على التخصيص، فكذلك نقول في النص المعارض المكافئ المتأخر (= الناسخ) أنه نفسه قرينة مقترنة بالنص المنسوخ دالّة على النسخ، ولا فرق [4] .

والنص المفترَض: هو الذي لم نقف عليه بذاته، وإنما وقفنا على ما يدل عليه ظنا أو قطعا. ومن هنا قال الأصوليون بالنسخ بالإجماع لا من حيث نفس الإجماع، وإنما من حيث كونه يدل على تقدير نص ناسخ كما أسلفنا عند الحديث حول قرائن الثبوت [5] . وكذا اختلف الأصوليون في قول الصحابي في نص ما: إنّ حكمه منسوخ. من غير أن يبين الناسخ: هل يدل قوله هذا على النسخ، لاحتمال اطلاعه على ناسخ لم يصل إلينا، أم لا يدل، لاحتمال أنه قال ذلك اجتهادا. وما قيل في النسخ بالإجماع يُقال نفسه في النسخ بعمل أهل المدينة عند المالكية. وما قيل في النسخ بقول الصحابي يُقال في النسخ بفعله كما هو عند الحنفية. وإذن، فالإجماع وقول الصحابي وفعله وعمل أهل المدينة كل هذه قرائن تدل ـ عند القائلين بها ـ على النسخ لا مباشرة وإنما من حيث دلالتها على وجود النص الناسخ. وعليه، فإذا أردنا وصفها بدقة لم نقل بأنها: قرائن النسخ، بل: قرائن (( قرينة النسخ ) )التي هي النص المعارض المكافئ المتأخر.

وأما المعارضة بين النصين: النص الأصل والنص القرينة، فهي شرط أساس للقول بالنسخ، لأن هذه المعارضة، إن لم تكن من كل وجه، فحينئذ نلجأ إلى الجمع بين النصين،

(1) أبو الحسين البصري،، المعتمد، ج 2، ص 358.

(2) أبو الحسين البصري،، المعتمد، ج 2، ص 358.

(3) الرازي، المحصول، ج 2، ص 497.

(4) أي: لا فرق في شمول اسم القرينة (= الدليل) لكليهما، لا أنه لا فرق بين النسخ والتخصيص كما قد يشي بذلك ظاهر العبارة فهذا لا يقول به عاقل.

(5) انظر: ص 86.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت