وبعد:
فهذا هو آخر الشوط في دراستنا هذه، والتي أردنا من خلالها التمهيد لتأسيس نظرية عامّة في القرائن الأصولية المحتفة بالنص. وقد قُمنا في هذه الدراسة، بعون الله تعالى، باستيفاء متطلبات الدراسة الأُفُقية التنظيرية في موضوع القرائن، بحيث عرَّفنا بالقرينة وبيَّنا أركانها وشروطها وآثارها وأنواعها وتقسيماتها، ثم تعرَّضْنا لقرائن الدلالة جملةً ضمن ما أسميناها بـ (( الأدوات اللازمة لتدبر الخطاب ) )، ورتبناها ضمن تقسيم منطقي جمع بين متفرِّقها، وألّف بين مختلفها، ولم يدع منها شاذَّة ولا فاذَّة إلا أتى عليها أو فسح المجال لها لكي تلتحق بأخواتها. وبهذا نكون قد فتحنا آفاق البحث، وشرعنا أبواب النظر أمام أهل العلم من ذوي الهمم للبَدء بالدراسة العمودية التخصُّصية في كل قرينة من القرائن الأصولية على حدة. وبتمام وتكامل الدراستين: الأفقية والعمودية وتلاقحهما ينتهي البحث في القرائن، وينتهي معه، فيما يبدو لي، رسمُ معالم المنهج الصحيح، التراثي والمعاصر في الآن نفسه، في تلقي النص الشرعي مما يصب في النهاية في خدمة هذا النص وخدمة أهل هذا النص.
ولا ينفصل البحث في القرائن أفقيا وعموديا عن البحث في النص نفسه. ومن وجهة نظري فإن نظرية القرائن، على اتساعها، ما هي إلا جانب من جوانب نظرية النص. ولأجل هذه اللُّحمة بين النظريتين بدأنا هذه الدراسة بتحديد المراد بالنص، مع مارافق ذلك من تخليصٍ وتشذيبٍ لهذا المصطلح في تراثنا الأصولي.
وإذا أردنا تلخيص أهم النتائج التي وصلنا إليها في هذه الدراسة فهي كما يلي:
• النص له معان متعددة عند الأصوليين والمراد بالإطلاق في هذه الدراسة: هو خطاب الشارع سواء أكان من الكتاب أو السنة، بغض النظر عن نوع الدلالة التي يتمتَّع بها.
• القرينة: هي دليل يقترِن (يُصاحِب أو يُضَم) بالنص، فيؤثر في دلالته أو ثبوته أو إحكامه أو ترجيحه. ولها ركن واحد هو الدليل، وشروط ثلاثة هي النص، والاقتران به، والتأثير عليه.
• القرائن من حيث مجال تأثيرها على النص: أربعة أنواع: قرائن تؤثر في ثبوت النص وعدمه، وقرائن تؤثر في إحكام النص ونسخه، وقرائن تؤثر في رجحان النص ومرجوحيته، وقرائن تؤثر على دلالة النص.
• القرائن المؤثرة على دلالة النص: إما أن تؤثر عليها بالتأكيد أو التكميل أو التأويل أو التفسير أو الترجيح لأحد معانيها المشتركة.