الخسارة؛ شُبِّهت بما يسقط من المال ويضيع، أو لأنها تُطرح من رأس المال. و (( الوضيعة ) )ما يأخذه السلطان من الخراج والعشور كأن ذلك ساقطٌ من المِلك، أو هي من (( وضْع ) )الشيء على الشخص بمعنى تحميله إياه ليقوم بعبئه ... والمعنى الثاني: جعل الشيء في مكان أو تثبيته فيه.
ومنه (( الموضع ) )اسمٌ للمكان، وقيل لك في قلبي (( موضع ) )أو (( موضِعة ) )، أي: محبة. ووضعت عند فلان (( وضيعة ) )، أي: وديعة. و (( الوضيعة ) )قومٌ كان كسرى ينقلهم من أرضهم فيسكنهم أخرى حتى يصيروا وضيعة أبدا فهم شِبه الرهائن. وإبلٌ (( واضعة ) )مقيمة ترعى في الحَمْض ـ وهو شجر ـ لا تبرح منه. و (( وضَّعت ) )النعامةُ بيضَها: جعلت بعضه فوق بعض. و (( وضَعَ ) )الكلامَ، أي: اختلقه على قائله؛ لأنه بذلك يكون كالمثبت له في مكان غير مكانه. و (( المواضعة ) ): المراهنة؛ لأن المتراهنين يضع كل منهما شيئا يكون عليه الرهان، ثم تطور معنى المراهنة هذا إلى المناظرة، لأن المتناظرين كالمتراهنين. ومن معنى المراهنة ـ والله أعلم ـ جاء (( التواضع ) )بمعنى الاتفاق، لأن المتراهنين متفقان على الرهان.
ويُطلق (( الوضْع ) )على الجعل مطلقا بغض النظر عن المكان، ومنه قوله تعالى: {وَوَضَعَ الْمِيزَانَ} (الرحمن:7) ، أي: جَعَل العدل بين الناس، {وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ} (الرحمن:10) أي: خلقها وأوجدها، كما يقول الراغب، و {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ} (آل عمران:96) أي: بُني.
من (( الوضع ) )بمعنى الجعل والإيجاد، و (( التواضع ) )بمعنى الاتفاق انبثق المعنى أو المعاني الاصطلاحية لـ (( الوضع، والتواضع، والمواضعة ) )عند الأصوليين، وهي ألفاظ مترادفة، تقريبا، في لغتهم. وهي تُطلق، فيما أمكننا استقراؤه، إزاء أربعة معان بينها تقارب:
أحدها، وهو أعم الإطلاقات: جعل الشيء، أيّ شيء، دليلا على شيء آخر. وقد استخدم الأصوليون هذا الإطلاق عندما قسموا الأدلة إلى أنواعها الثلاثة: العقلية: وهي التي تدل بذاتها كدلالة حدوث فعل ما على حتمية وجود فاعل له. والطبيعية: وهي التي تدل بواسطة العادة الجارية في الكون كدلالة الحمى غير المعتادة في البدن على وجود مرض ما. والوضعية: وهي التي تدل بجعل جاعل كدلالة الأذان على دخول الوقت. والفرق بين الدليل الوضعي وغيره أن الدليل الوضعي لا يقوم على اقتضاء عقلي أو طبيعي بين الدال والمدلول، وإنما هو مجرد جعل، أو إيجاد، أو اختيار بشري أو ديني، وقد سبق لنا توضيح ذلك [1] .
(1) انظر: ص 63.