كالعام، لذلك فليس من الخطأ تسوية الجميع بصحة الدخول تحت مسمّى النص. فالنص، إذن، أعم عنده من أن يكون قاطعا أو محتملا [1] .
ومن هنا ندرك أن قول الحنفية بـ (( قطعية العام ) )، مع إقرارهم بوجود احتمال التخصيص، هو اصطلاحٌ خاص بهم في معنى (( القطع ) )الذي لا يَفهم منه الجمهور إلا التجرُّد من الاحتمال مطلقا [2] .
الاصطلاح الرابع:
يُطلق فيه النص على: الخطاب أو اللفظ ظني الدلالة على الحكم أو المعنى.
أي اللفظ الظاهر أو المحتمل لأكثر من معنى لكنه في أحدها أرجح من غيره.
قال الغزالي في المستصفى: (( النَّص اسم مشترك يُطلق في تعارف العلماء على ثلاثة أوجه: الأول: ما أطلقه الشافعي، رحمه الله، فإنه سَمّى الظاهرَ نصا، وهو منطبق على اللغة، ولا مانع منه في الشرع ... فعلى هذا حدُّه حدُّ الظاهر، وهو اللفظ الذي يغلب على الظن فهم معنى منه من غير قطع ... ) ) [3] .
ومما يُستغرب أن أحدا من الذين عددوا معاني النص في اصطلاح العلماء كالزركشي وابن دقيق العيد والقرافي وغيرهم لم يذكر هذا المعنى الذي ذكره الغزالي. ومن المستبعد جدا ألا يكونوا قد اطلعوا على كلامه في هذا الشأن. وهذا يوحي بأن ثمة خللا ما في توصيف الغزالي للنص بأنه الظاهر بمعنى الظني [4] . وهذا ما نرجحه، وذلك لأن الشافعي لما سَمَّى
(1) وكلام الجصاص هذا ليس بدقيق، لأن دخول الشرط أو الحال على أسماء الأعلام ليس احتمالا واردا على الاسم نفسه بل على الخطاب الموجه إلى صاحب الاسم، أمر أو نهيا، والمراد إثباته هو وجود الاحتمال في الاسم نفسه. وكذلك لا تعني صحة دخول الاستثناء على أسماء الأعداد كونها محتملة لأن العدد في سياق الاستثناء (عشرة إلا ثلاثة) يصبح ذا دلالة مركبة قاطعة كحالة الجمع تماما (عشرة وثلاثة) فأين الاحتمال؟ وإذا كان العدد يشترك مع العام في قبول الاستثناء فهو يختلف عنه في قبول التخصيص بالمخصصات المنفصلة. وشتان ما بين التخصيص بالاستثناء الذي لا يجوز أن يتراخى أو يُضمر وبين التخصيص بغيره القابل لذلك عند الجماهير.
(2) انظر: البخاري، كشف الأسرار، ج 1، ص 197. قلت: وليس الخلاف بين الحنفية والجمهور في معنى القطعية لفظيا كما مال إليه د. محمد أديب صالح، تفسير النصوص، ص 95، بل هو معنوي، يكمن في جواز تخصيص عام القرآن بخبر الواحد عند الجمهور دون الحنفية.
(3) الغزالي، المستصفى، ج 1، ص 384.
(4) ينبغي أن نميز بين (( الظاهر ) )بمعنى الواضح سواء أكان الخطاب ظنيا أو قطعيا وبين (( الظاهر ) )بمعنى الظني، أو بالمعنى الذي ذكره الغزالي آنفا وهو (( اللفظ الذي يغلب على الظن فهم معنى منه من غير قطع ) )فالمعنى الأول مرادف للنص بمعنى الواضح كما أسلفنا أما الثاني فلا. وعليه، فقول ابن حزم في (( النص ) ): (( وهو الظاهر نفسُه ) )، الإحكام، ج 1، ص 43، ليس كقول الغزالي؛ لأنه ـ فيما نرى ـ لا يعني بالظاهر ما يعنيه الغزالي، بل يعني به الواضح الذي هو أعم من أن يكون ظنيا أو قطعيا.