فهرس الكتاب

الصفحة 108 من 384

الذي يمكننا إضافته هاهنا: هو القول بأن هذه القرائن، في أغلبها إن لم تكن جميعها، ترتد، بعد التأمل والسبر، إلى (( درجة مخفَّفَةٍ ) )من قرائن تضعيف الخبر أو نسخه أو تأويله، أي أنها ترتد إلى (( ما يشبه ) )قرائن الثبوت وقرائن الإحكام وقرائن الدلالة. والذي أعنيه بـ (( الدرجة المخففة ) (( الما يُشبه ) )، هو كون هذه القرائن ـ أي قرائن الترجيح ـ من ضعف التأثير بمكان بحيث لا تقوى على تضعيف أحد النصين المتعارضين أو نسخه أو تأويله، وإنما تزيد في احتمالية ذلك زيادة بسيطة تكفي فقط للترجيح بين المتعارضين، بينما لا تكفي للجزم أو الحكم بالضعف نفسه أو النسخ أو التأويل لأحدهما. ومثالها في ذلك مثال الثِّقل خفيف الوزن جدا الذي إذا أضيف إلى إحدى كفتي الميزان المتعادلتين رجَّح إحداهما. أما إذا انفرد وجوده في إحدى الكفتين فلا يُعبأ به.

وعلى ذلك، فليس الترجيح في نفسه تضعيفا للنص المرجوح، ولا نسخا، ولا تأويلا. وإلا لكانت قرائن الترجيح هي نفسها قرائن عدم الثبوت أو قرائن النسخ أو قرائن التأويل. وبالتالي لم نحتجْ، ولم يحتج الأصوليون كذلك، للفصل والتمييز بينها. لكنه ـ أي الترجيح ـ على الرغم من ذلك، تقديرٌ أو افتراضٌ للضعف أو النسخ أو التأويل في النص المرجوح. لا ارتجالا، بل بواسطة دلائل أو قرائن لا تقوى بذاتها ـ لولا وجود النص المعارِض ـ على إثبات هذا التقدير أو الافتراض. ونعني بالتقدير أو الافتراض زيادة الاحتمال زيادة قليلة لا توصل بنفسها إلى الظن الغالب بضعف الخبر أو نسخه أو تأويله ولكنها، مع ذلك، وفي الوقت نفسه، تكفي في الإيصال إلى ترجيحه على غيره. ولعله لأجل ضعف قرينة الترجيح أنكر بعضهم الترجيح من أصله [1] ، وكأنه رأى أن دلالة قرينة الترجيح على ضعف ثبوت النص المرجوح أو نسخه أو تأويله من الوهاء بحيث يجب المصير إلى عدم إقامة أي وزن لها، وبالتالي القول بتساقط النصين المتعارضين وطلب الدلالة من خارج، أو القول

(1) كالحسين بن علي البصري المعتزلي الملقب بِجُعْل (ت 369 هـ) فيما حكاه عنه القاضي الباقلاني. انظر: الجويني البرهان، ج 2، ص 741. والزركشي، البحر المحيط، ج 6، ص 130]. ولقد ظن د. محمد حسن هيتو، محقق المنخول ـ ص 426 ـ أن هذا البصري المعتزلي الذي أنكر الترجيح هو القاضي أبو الحسين صاحب المعتمد فترجم له في الحاشية. وهذا خطأ بيِّن كان يكفي في تجنبه أدنى نظرة إلى باب (( ما يترجح به أحد الخبرين على الآخر ) )في المعتمد، ج 2، ص 178.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت