فهرس الكتاب

الصفحة 109 من 384

بتخيير المكلف في العمل بأيهما. لكنه فات مستضعفَ قرينة الترجيح هذا أنَّ المجتهد لا يبحث عن قرينة الترجيح لإرادة إثبات الضعف أو النسخ أو التأويل، فهذا ليس غرضها أو وظيفتها، وإنما غرضها هو الترجيح نفسه عن طريق زيادة احتمالية ضعف الثبوت أو النسخ أو التأويل للنص المرجوح، ولو بدرجة قليلة، فالترجيح يحصل بـ (( أدنى خيال ) )على حدّ تعبير الغزالي [1] .

وفي سبيل توضيح ما سبق نضرب المثال التالي على إحدى قرائن ترجيح أحد الخبرين على الآخر، وهي (( أن يكون قد اقترن بأحدهما ما يدل على تأخيره عن الآخر: كالخبر الذي ظهر بعد استظهار النبي، عليه السلام وقوة شوكته بخلاف الآخر؛ فالظاهر بعد قوة شوكة النبي عليه السلام، أولى، لأن احتمال ظهور مقابله قبل الشوكة أكثر من احتمال وقوع ما ظهر بعد الشوكة فكان تأخيره أغلب على الظن فكان أولى. وفي معناه: أن يكون أحد الراويين متأخر الإسلام عن الآخر، فالغالب أن ما رواه عن النبي، عليه السلام، بعد إسلامه، فروايته أولى، لأن رواية الآخر يحتمل أن تكون قبل إسلام المتأخر، ويحتمل أن تكون بعد إسلامه، فكان تأخير ما رواه متأخر الإسلام أغلب على الظن. وفي معناه أن يعلم أن موت متقدم الإسلام كان متقدما على إسلام المتأخر، وكذلك إذا علمنا أن غالب رواية أحد الراويين قبل الغالب من رواية الآخر، فروايته تكون مرجوحة لأن الغالب تقدم ما رواه، وكذلك إذا كانت رواية أحدهما مؤرخة بتاريخ مضيق دون الآخر فاحتمال تقدم غير المؤرخة يكون أغلب، وكذلك إذا كان أحد الخبرين يدل على التخفيف، والآخر على التشديد فاحتمال تأخير التشديد أظهر لأن الغالب منه، عليه السلام، أنه ما كان يشدد إلا بحسب علو شأنه واستيلائه وقهره، ولهذا أوجب العبادات شيئا فشيئا، وحرم المحرمات شيئا فشيئا ) ) [2] . فإذا تأملت هذا المرجِّح أو قرينة الترجيح ـ وهو تأخر أحد الخبرين عن الآخر ـ والقرائن الدالة على هذا التأخر، وجدت أنه يقوم على افتراض أن النص المتأخر ناسخٌ للمعارض المتقدم. أو بعبارة أخرى، هو يزيد من احتمالية نسخه له، لكنه، في الوقت نفسه، لا يثبت النسخ قطعا أو في غالب الظن. ومن الدليل على ذلك، أي على كونه يزيد في احتمالية النسخ فقط ولا يقوى على إثباته قطعا أو ظنا غالبا، أن الآمدي نفسه القائل بقرينة التأخر وبالقرائن التي تدل عليها كما أوردناها قبل قليل، رفض، في باب النسخ، أن يَعُدَّ بعضا من هذه القرائن من ضمن القرائن التي تُثبتُ النسخ، فقال: (( وليس من الطرق الصحيحة في معرفة النسخ ... أن يكون راوي أحدهما [أي النصين المتعارضين] من أحداث الصحابة لأنه قد ينقل عمن تقدمت صحبته. وإن روى عن النبي، صلى الله عليه وسلم، من غير واسطة فلجواز أن تكون رواية متقدم الصحبة متأخرة، ولا أن يكون إسلام أحد الراويين بعد إسلام الآخر ... ، ولا أن يكون أحد الراويين متجدد الصحبة بعد انقطاع صحبة الآخر لجواز سماعه عمن تقدمت صحبته،

(1) الغزالي، المنخول، ص 430.

(2) الآمدي، الإحكام، ج 4، ص 364.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت