فهرس الكتاب

الصفحة 110 من 384

ولا أن يكون أحد النصين على وفق قضية العقل والبراءة الأصلية والآخر على خلافه، فإنه ليس تقدم الموافق لذلك أولى من المخالف )) [1] . وما هذا إلا لأن ما ثبت به الرجحان، ولو من جهة زيادة احتمالية النسخ، لا يثبت به النسخ ابتداء.

فإن قيل: إذا كانت نتيجة هذا النوع من قرائن الترجيح ـ أعني قرائن تأخر أحد الخبرين عن الآخر ـ هي عدم العمل بالنص المرجوح، وفي الوقت نفسه، كانت نتيجة قرائن النسخ هي الشيء نفسه أي عدم العمل بالنص المنسوخ، فما الفائدة الأصولية، إذن، في تمييز وتفريق الأصوليين بين نوعي القرائن هذين: التي تزيد في احتمال النسخ وهي قرائن الترجيح، والمثبتة له وهي قرائن النسخ؟ ولماذا لم يخلطوا بينهما؟

قلت: الفائدةُ عظيمةٌ جدا، وهي تدل على مدى الدقة والعمق اللذيْن بلغهما البحث الأصولي عند علماء المسلمين. وهي تتمثل في أن النص الذي ثبت نسخه بقرائن النسخ المعتمدة مُطَّرحٌ (( على طول الخط ) )، أي بغض النظر عن أوجه القوة التي يتمتع بها من حيث الثبوت أو من حيث الدلالة. فحتى لو كان هذا النص المنسوخُ (( نصا ) )والناسخُ ظاهرا، وحتى لو كان هذا النص ـ النبوي ـ المنسوخ مرويا بسندٍ أو أسانيدَ قوية، والناسخ مرويا بسند أو أسانيدَ لا تماثل أسانيد المنسوخ قوة مع صحتها، فإنه على كِلا الحالين نعمل بالنص الذي ثبت كونه ناسخا. أما النص الذي لم يثبت نسخه، بل ترجح هذا النسخ بواسطة قرائن الترجيح التي تزيد من احتمالية النسخ فحسب، فهو لا يُطّرح (( على طول الخط ) )كما قلناه بالنسبة إلى النص السابق الذي ثبت نسخه، وإنما يُنظر في المرجِّحات الأخرى التي تحتف به من حيث ثبوته أو دلالته: فإن وُجدت ثمة قرائن تدل على كونه أقوى ثبوتا أو أوضح دلالة من النص المعارض لم يتعين علينا ترجيحه واطراح الآخر المعارض بل قد نفعل العكس. وذلك لأن قرائن الترجيح التي تزيد في احتمالية النسخ ـ مثل قرائن تأخر أحد الخبرين على الآخر ـ لا تتحكم، وحدها، في رجحان النص أو عدمه، وإنما هي وجه من ضمن وجوه كثيرة للترجيح لابد لنا من النظر إليها مجتمعة عند موازنتنا بين النصين المتعارضين. ومثل هذا النظر أبدا لا يكون في حالة ثبوت النسخ بقرائن إثباته المعتمدة.

إذن، فما ثبت نسخه بقرائن النسخ لا يُنظر إلى أوجه القوة في ثبوته أو دلالته، والنتيجة حينئذ هي عدم العمل به مطلقا. وأما ما ترجح نسخه بقرائن الترجيح فلا بد من النظر إلى أوجه القوة، إذا وجدت، في ثبوته أو دلالته، وعند ذلك نوازن بينه وبين غيره، والنتيجة حينئذ أنَّا: إما أن نعمل به إذا تمتع بقدر وافر من قرائن الترجيح بشكل عام، وإما أن نعمل بغيره إذا كان هذا الغير ـ على الرغم من احتمالية كونه منسوخا ـ يتمتع بقرائن أخرى، من

(1) المرجع السابق، ج 3، ص 259،260.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت