? وأما الوقف، فهو قطع الصوت بعد انتهاء النطق بالخطاب أو خلاله، وهو إما أن يكون بِحبس النَّفَس فيسميه بعض علماء التجويد (( سكتا ) )، وإما أن يُؤخذ فيه النفس فيخصونه باسم (( الوقف ) ) [1] . وللوقف تأثير كبير على معنى الخطاب لا سيما في القرآن الكريم؛ ولذا فقد أَفْرَدَه بالتصنيف (( خلائقُ، منهم: أبو جعفر النحاس، وابن الأنباري، والزجاجي، والداني، والعماني، والسجاوندي، وغيرهم ) ) [2] . وقسَّموه بحسب تأثيره على معنى الكلام تقسيمات عدة: فمنه التام والحسن والقبيح ... الخ. وقال النكزاوي: (( باب الوقف عظيم القدر جليل الخطر؛ لأنه لا يتأتى لأحد معرفة معاني القرآن، ولا استنباط الأدلة الشرعية منه، إلا بمعرفة الفواصل ) ) [3] . ولقد عدَّ الأصوليون [4] الوقف من أسباب الإجمال في الخطاب، وضربوا لذلك مثلًا قولَه، تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} (آل عمران:7) فهل موقع الوقف بعد لفظ الجلالة، فيختص، سبحانه، بعلم تأويل المتشابهات؟ أم بعد (( الراسخون في العلم ) )، فيشتركون في ذلك؟ وقد ترتب على الخلاف في موضع الوقف في هذه الآية خلافٌ كبير بين المؤوِّلين للصفات في مجال الاعتقاد وبين المثبتين لها على ظواهرها.
وقال الزركشي: (( سكوتُ المتكلم على كلامه [بالوقف] كالجزء من اللفظ، ويلتحق بالقرائن اللفظية ) ) [5] .
ومما لا يخفى أن الملامح الصوتية من النبر والتنغيم والعلو والوقف تختص بالكلام المسموع دون المقروء، وإن صار الكُتَّاب أخيرا يعوضون عن ذلك، إلى حد ما، بعلامات الترقيم.
هذه هي أمثلة المادة التركيبية. وهي، كما أوضحنا، مادة صوتية تتميز عن المادتين المعجمية والصرفية بميزتين: أحدهما: أنها لا تظهر في الكلمة المفردة بل في التركيب. والأخرى: أنها، وبسبب من الميزة الأولى، لا تُنتج معنى فرديا بل نظميا، أي معنى في غيرها لا في نفسها.
(1) انظر: السيوطي: جلال الدين عبد الرحمن بن كمال الدين، الإتقان في علوم القرآن، دار الفكر، بيروت، ج 1، ص 89.
(2) السيوطي، الإتقان، ج 1، ص 85.
(3) المرجع السابق، ج 1، ص 85.
(4) انظر: الغزالي، المستصفى، ج 1، ص 362. والآمدي، الإحكام، ج 3، ص 12.
(5) الزركشي، البحر المحيط، ج 2، ص 37.