فهرس الكتاب

الصفحة 219 من 384

انخفاض إلى ارتفاع تحصل في كلامنا وأحاديثنا لغاية وهدف، وذلك حسب المشاعر والأحاسيس التي تنتابنا من رضا وغضب، ويأس وأمل، وتأثر ولا مبالاة، وإعجاب واستفهام، وشك ويقين، ونفي وإثبات، فتستعين بهذا التغيير النغمي الذي يقوم بدور كبير في التفريق بين الجمل. فنغمة الاستفهام تختلف عن نغمة الإخبار، ونغمة النفي تختلف عن نغمة الإثبات، وهكذا ... )) [1] . ومن أمثلته ما قيل في قول إبراهيم، عليه السلام، عن (( الكوكب ) )في سورة الأنعام: {هَذَا رَبِّي} (الأنعام:76) [2] هل هو بتنغيم الإخبار الهابط فيكون دلالة على الشك قبل الإيمان؟ أم هو بتنغيم الاستفهام الصاعد ـ وهو الأرجح ـ فيكون دلالة على إنكاره، عليه السلام، على قومه، أو على إرادته زعزعة عقائدهم عن طريق التساؤل؟

ومثلُ هذا ما يُقال في بيت الشاعر:

طَرِبتُ وما شوقا إلى البيض أطرب ولا لعبا مني وذو الشيب يلعب

فقوله: (( ذو الشيب يلعب ) )هل هو استفهام استنكاري أم جملة حالية إقرارية؟ ولا يتحدد أيُّ المعنيين إلا بالوقوف على طريقة التنغيم.

وقال الفقهاء في بعض ما أشكل معرفةُ المراد منه من أقوال المكلفين بأن المراد منه: إنما (( يُعرف من قرينة الوقفة والنَّغمة ) ) [3] .

? وأما علو الصوت، فهو قوة التلفظ بالكلام، والتي تتراوح درجتها ما بين الصراخ والهمس. ولدرجة علو الصوت من التأثير على المعنى ما لا يخفى. فمثلا، فعلُ الأمر (( تعال ) )إذا علا به صوت المتكلم أكثر من المعتاد ربما فُهم أنه غضبان، وبالتالي يَحمل المخاطَب أمره هذا على الوجوب والإلزام. أما إذا انخفض به صوته، حتى كأنه يهمس به، فربما فُهم أنه يريد أن يخص المخاطَب بشيء، لذلك فهو يهمس كي لا يسمعه الناس. وإذا كان علو صوته به عاديا فربما فُهم منه الندب إلى المجيء لا الإلزام مثلا. هذا، وقد كان النبي، صلى الله عليه وسلم، يستخدم (( علو الصوت ) )في خطبه لمزيد تأثيرٍ في سامعيه. قال جابر بن عبد الله، رضي الله عنه: (( كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إذا خطب: احمرَّت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش يقول: صبَّحكم ومسَّاكم ) ) [4] .

(1) مجاهد: عبد الكريم، الدلالة اللغوية عند العرب، دار الضياء، ص 178.

(2) وذلك ضمن قوله تعالى: {وكذلك نري إبراهيم ملكوت السّماوات والأرض وليكون من الموقنين (75) فلمّا جنّ عليه اللّيل رأى كوكبا قال هذا ربّي فلمّا أفل قال لا أحبّ الآفلين (76) فلمّا رأى القمر بازغا قال هذا ربّي فلمّا أفل قال لئن لم يهدني ربّي لأكوننّ من القوم الضّالّين (77) فلمّا رأى الشّمس بازغة قال هذا ربّي هذا أكبر فلمّا أفلت قال يا قوم إنّي بريء ممّا تشركون (78) } الأنعام.

(3) النووي، روضة الطالبين، ج 8، ص 114.

(4) مسلم، الصحيح، (1435) ، كتاب الجمعة، باب تخفيف الصلاة والخطبة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت