بدليل، فكذلك هذا بدليل وقرائن، بل بصرائح سوى مجرد الأمر )) [1] فقد قابل بين القرائن والصرائح مما يعني تباينهما.
ومنها: قول الزركشي، وهو يعدِّد فوائد العدول في الكلام عن استعمال الحقيقة إلى المجاز،: (( ومنها [أي من الفوائد] : تكثير الفصاحة؛ لأن فهم المعنى منه [أي: المجاز] يتوقف على قرينة، وفي ذلك غموض يحوج إلى حركة الذهن، فيحصل من الفهم شبيه لذة الكسب ) ) [2] ، فانظر كيف جعل دلالة القرينة على المراد من اللفظ المجازي فيها غموض محوج إلى تحريك الذهن، أي إلى: التفكير. وهذا هو عدم الصراحة.
ومنها: ما سبق لنا نقله عن بعضهم مما يشير إلى اشتراط (( عدم التواضع ) )في دلالة القرينة [3] . والدلالة غير التواضعية هي في الغالب، نظرا لعدم شيوعها، من قبيل غير الصريح، فاقتضى هذا ألا تكون القرينة صريحة.
والذي نراه في صراحة وغموض دلالة القرينة الأصولية هو نفسه ما سبق لنا رؤيته في القرينة الفقهية، وهو أن عدم الصراحة، أو الغموض، هو وصف أغلبي في قرائن الدلالة عند الأصوليين وليس شرطا فيها.
ومما يبرهن على ذلك أنهم أطلقوا على الاستثناء، وهو مادة تواضعية صريحة في التخصيص، لفظ (( القرينة ) ).
ومما يبرهن على ذلك، أيضا، ما قلناه من أن الصراحة بالمعيار العام، وهو سرعة إفضاء الدليل إلى المدلول، قد تتوافر حتى في القرينة غير اللفظية كالقرينة الحالية، فمن (( قال، على المائدة،: هاتِ الماء، فُهم أنه يريد الماء العذب البارد دون الحار المِلح ) ) [4] بسرعة وبديهة. أي أن قرينة جلوسه على المائدة، وطلبه للماء بعد الأكل من أصرح ما يدل على خصوص الماء المطلوب، فكأنه قال لفظا: هات ماء عذبا باردا.
أما ما نقلناه عن بعض الأصوليين مما يشير إلى كون القرينة غير صريحة في دلالتها فهو، أولا، ليس بصريح، ثم يمكننا أن نحمله على أنهم قصدوا الغالب من القرائن. والله أعلم.
(1) الغزالي، المستصفى، ج 2، ص 7.
(2) الزركشي، البحر المحيط، ج 2، ص 190.
(3) انظر: ص 139.
(4) الغزالي، المستصفى، ج 2، ص 42.