فهرس الكتاب

الصفحة 276 من 384

المقصود من الخطاب من غير أن يعبث بالصيغة اللفظية له. (( ويوضِّح هذا المعنى: ما روى أبو عبيد عن إبراهيم التيمي، قال: خلا عمر ذات يوم، فجعل يحدث نفسه: كيف تختلف هذه الأمة ونبيها واحد، وقبلتها واحدة؟! فقال ابن عباس: يا أمير المؤمنين، إنا أُنزل علينا القرآن فقرأناه، وعلمنا فيم نزل. وإنه سيكون بعدنا أقوام يقرءون القرآن، ولا يدرون فيم نزل، فيكون لهم فيه رأي. فإذا كان لهم فيه رأي اختلفوا. فإذا اختلفوا اقتتلوا. قال: فزجره عمر وانتهره. فانصرف ابن عباس، ونظر عمرُ فيما قال فعرفه فأرسل إليه، فقال: أعد علي ما قلت، فأعاده عليه، فعرف عمر قوله وأعجبه. وما قاله صحيح في الاعتبار ويتبين بما هو أقرب، فقد روى ابن وهب عن بكير أنه سأل نافعا: كيف كان رأي ابن عمر في الحرورية [1] ؟ قال: يراهم شرار خلق الله؛ إنهم انطلقوا إلى آيات أُنزلت في الكفار، فجعلوها على المؤمنين. فهذا معنى الرأي الذي نبّه ابن عباس عليه، وهو الناشئ عن الجهل بالمعنى الذي نزل فيه القرآن ) ) [2] أي الناشئ عن الجهل ببعض القرائن الحالية التي احتفت بالقرآن حين نزوله.

هذا، وتزداد قرائن الحال أهمية إذا سلمنا بما أشار إليه إمام الحرمين من أن الصيغ اللفظية ـ حتى ما يُدعى بالمطلق أو المجرد منها ـ لا يمكنها أن تتجرد، في واقع الأمر، عن أحوال تقترن بها فتؤثر في معناها، وذلك حين قال: (( إن الصيغة التي تُسمى مطلقة لا تكون إلا مقترنة بأحوال تدل [على الأقل] على أن مُطلقَها ليس يبغي بإطلاقها حكايةً وليس هاذيا بها. فإذًا لا تُلفى صيغةٌ على حقّ الإطلاق ) ) [3] . وقال ابن القيم، أيضا، مؤكِّدا ذلك: (( تجرُّد اللفظ عن جميع القرائن الدالة على مراد المتكلم ممتنع في الخارج، وإنما يقدِّره الذهن ويفرضه ) ) [4] .

ونَصِل بأهمية قرائن الحال إلى الذروة إذا شايعنا أصحابَ (( مدرسة السياق ) )ـ بشِقَّيه: اللغوي والحالي ـ من علماء الدلالة المعاصرين، في قولهم بأن الصيغ اللفظية لا يوجد لها معنى خارج السياق [5] . ويَصُبُّ في هذا الإطار قولُ اللغوي بلومفيلد بأنا: (( لكي نعرف المعنى معرفة دقيقة، لا بد أن نكون على علم دقيق بكل شيء في عالم المتكلم ) ) [6] . ويشبهه إلى حدٍّ ما قول الواحدي، صاحب كتاب (( أسباب النزول ) ): (( لا يمكن معرفة تفسير الآية دون الوقوف على قصتها وبيان نزولها ) ) [7] .

(1) (( الحرورية: فرقة من الخوارج نسبت إلى حروراء بالمد قرية بقرب الكوفة كان أول اجتماعهم بها ) ). المناوي، التوقيف، ص 277.

(2) الشاطبي، الموافقات، ج 3، ص 348.

(3) الجويني، البرهان، ج 1، ص 185.

(4) ابن القيم، بدائع الفوائد، ص 372.

(5) انظر: أولمان، دور الكلمة في اللغة، ص 68.

(6) نقله عنه، خليل، العربية وعلم اللغة البنيوي، ص 125.

(7) انظر: السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، ج 1، ص 29.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت