ومما يدل على القوة الإيحائية والدلالية للحال أنها قد تتفرد بنفسها في عملية الدلالة فتوحي بالمعنى من غير لفظ تقترن به أو يقترن بها حتى لكأنها تسد مسد اللفظ. وبسبب هذه الظاهرة شاع في كلام الأقدمين إضافة اللسان إلى الحال كما يُضاف إلى المقال، فقالوا في كثير من الأقوال المنقولة: إنها مقولة بلسان الحال لا بلسان المقال، فكأنهم، لشدة دلالة الحال، تخيلوا أن لها لسانا ناطقا. وقال الكرخي في الأصل السابع من الأصول التي جعل عليها مدار مذهب أبي حنيفة: (( الأصل: أن للحالة من الدلالة كما للمقالة ) ) [1] . وفي تعداده لطُرُق البيان قال الجاحظ: (( جميع أصناف الدلالات على المعاني من لفظ وغير لفظ خمسةُ أشياء لا تنقص أو تزيد، أولها: اللفظ، ثم الإشارة، ثم العقد [الحساب] ، ثم الخط، ثم الحال وتُسمى نُصبة. والنُّصبة هي الحال الدالة التي تقوم مقام تلك الأصناف، ولا تقصر عن تلك الدلالات ) ) [2] . وقد جعل أصوليو الحنفية الحال نوعا من أنواع البيان، وذلك عند حديثهم عن ما أسموه بـ (( بيان الضرورة ) ). قال السرخسي: (( أما بيان الضرورة: فهو نوعٌ من البيان يحصل بغير ما وُضع له في الأصل. وهو على أربعة أوجه: 1. منه ما ينزَّل منزلة المنصوص عليه في البيان 2. ومنه ما يكون بيانا بدلالة حال المتكلم 4. ومنه ما يكون بيانا بضرورة دفع الغرور 4. ومنه ما يكون بيانا بدلالة الكلام ... ) ). قال: (( وأما النوع الثاني [أي: حال المتكلم، وهو الذي يعنينا هاهنا] : فنحو سكوت صاحب الشرع عند معاينة شيء عن تغييره يكون بيانا منه لحقِّيته باعتبار حاله، فإن البيان واجبٌ عند الحاجة إلى البيان، فلو كان الحكم بخلافه لبين ذلك لا محالة، ولو بيَّنه لظهر ... وعلى هذا قلنا: البكر إذا بلغها نكاحُ الولي فسكتت يُجعل ذلك إجازة منها باعتبار حالها، فإنها تستحي، فيُجعل سكوتُها دليلا على جوابٍ يحول الحياءُ بينها وبين التَّكلُّم به، وهو الإجازة التي يكون فيها إظهار الرغبة في الرجال، فإنها إنما تستحي من ذلك ) ) [3] .
ومن النقول بالغة الدلالة على دور الحال في الكشف عن معنى المقال ما قاله العلامة ابن جني: (( الحمَّالون والحمَّاميُّون والسّاسة والوقَّادون، ومن يليهم ويُعتدُّ منهم، يستوضحون من مشاهدة الأحوال ما لا يحصِّله (( أبو عمرو ) ) [4] من شعر (( الفرزدق ) )إذا أُخبر به عنه، ولم يسمعه
(1) الكرخي: أبو الحسن عبيد الله بن الحسين، رسالة في الأصول التي عليها مدار فروع الحنفية، بذيل تأسيس النظر للدبوسي، تحقيق مصطفى القباني، دار ابن زيدون، بيروت، ص 163.
(2) الجاحظ: أبو عثمان عمرو بن بحر، البيان والتبيين، تحقيق فوزي عطوي، دار صعب، بيروت، ص 55.
(3) السرخسي، أصول السرخسي، ج 2، ص 50،51.
(4) أبو عمرو: هو ابن العلاء ابن عمار بن العريان التميمي ثم المازني البصري، شيخ القراء والعربية. اختُلف في اسمه على أقوال: أشهرها: زبان، وقيل: العريان. مولده في نحو سنة 70 ه. حدَّث باليسير، وبرز في الحروف، وفي النحو، وتصدر للإفادة مدة. واشتهر بالفصاحة والصدق وسعة العلم. قال أبو عبيدة: كان أعلم الناس بالقراءات والعربية والشعر وأيام العرب، وكانت دفاتره ملء بيت إلى السقف ثم تنسك فأحرقها. وكان من أشراف العرب مدحه الفرزدق وغيره. قال أبو عمرو الشيباني: ما رأيت مثل أبي عمرو. وذكر غير واحد أن وفاته كانت في سنة 154 ه. انظر: الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج 6، ص 407 ـ 410.