فهرس الكتاب

الصفحة 295 من 384

ثم تبعه، بعد ذلك، ومن منطلقات علم النفس السلوكي، العالم اللغوي الأمريكي بلومفيلد الذي رأى أن معنى الكلام ينبغي أن يُعرَّف عن طريق (( الأحداث العملية ) )المرتبطة به. وقد قسَّم هذه الأحداث العملية إلى قسمين: الأحداث العملية السابقة على الحدث الكلامي، والأحداث العملية التالية للحدث الكلامي [1] .

لكنه العالم الإنجليزي ج. ر. فيرث هو بحق أول من قدَّم دراسة منظمة لـ (( سياق الحال ) )جاعلا إياه مستوى أساسيا من مستويات دراسة معنى الصيغة اللغوية وجزءا لا ينفصل عنها بحال من الأحوال. وقد أشار فيرث إلى أن سياق الحال يتكون من عدة عناصر، ذكر منها ما يلي:

(( 1. شخصية المتكلم والسامع، وتكوينهما الثقافي، وشخصيات من يشهد الكلام غير المتكلم والسامع ـ إن وُجدوا ـ وبيان ما لذلك من علاقة بالسلوك اللغوي، ودورهم: أيقتصر على الشهود، أما يشاركون من آن لآن بالكلام، والنصوص الكلامية التي تصدر عنهم.

2.العوامل والظواهر الاجتماعية ذات العلاقة باللغة وبالسلوك اللغوي لمن يشارك في الموقف الكلامي، كحالة الجو إن كان لها دخل، وكالوضع السياسي، وكمكان الكلام ... الخ. وكل ما يطرأ أثناء الكلام من انفعال، أو أي ضرب من ضروب الاستجابة، وكل ما يتعلق بالموقف الكلامي أيا كانت درجة تعلقه.

3.أثر النص الكلامي في المشتركين، كالاقتناع، أو الألم، أو الإغراء، أو الضحك ... الخ )) [2] .

ومن التجارب الطريفة التي يذكرها دي بوجراند، صاحب كتاب (( النص والخطاب والإجراء ) )، عن بعض اللغويين، والتي تدلل على القيمة الكبيرة لمعرفة (( الحال ) )في الوقوف على معنى الخطاب والقدرة على فهمه وحفظه: أن خطابا ـ يمثِّل أغنيةً غزليةً لشاب يقف في أسفل بناية ويوجه أغنيته، عبرَ مكبِّرٍ للصوت، لصديقته التي كانت تنظر إليه من الطابق السادس ـ أُعطي إلى فئتين من المشاركين في التجربة. فأما المشاركون في الفئة الأولى فقد أُعطوا الخطاب مجردا، وأما المشاركون في الفئة الثانية فقد أُعطوا الخطاب، ومعه صورةٌ تُمثِّل الموقف. فوُجِد في النتيجة أن المشاركين في الفئة الأولى لم يستطيعوا فهم الخطاب تماما، ثم إنهم لم يستطيعوا تذكُّر الكثير منه. أما المشاركون في الفئة الثانية، فإنهم، وبفضل الصورة التي تمثِّل الموقف، فهموا الخطاب في الحال، وتذكَّروا منه ما يزيد على ضعفين مما تذكره الأوائل [3] .

(1) انظر: السعران، علم اللغة، ص 305، 306.

(2) السعران، علم اللغة، ص 311.

(3) انظر: بوجراند، النص والخطاب والإجراء، ص 357، 358.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت