فهرس الكتاب

الصفحة 255 من 384

كان يقصد في كلامه بيان هذا الموضوع، وإلا ـ بأن كان كلام المتكلم متعدد المواضيع بحيث لا يربط بين هذه المواضيع رابط معين ـ علمنا أن كلامه متعدد المقاصد. فموضوع الكلام، إذن، هو الوجه الآخر للمقصد، أو قل: هو الانعكاس الظاهر له.

ومن خلال تتبعنا لاستعمالات مصطلح السياق في أقوال كثير من العلماء لم نجد عندهم ما ينفي ملاحظة معياري التتابع والوحدة القصدية أو الموضوعية في الكلام الذي يصفونه بالسياق. وهذا باستثناء قولٍ واحد وجدناه لدى إمام الحرمين يوحي بعدم اشتراطه المعيار الثاني. فالكلام المتتابع سياقٌ واحد في وصفه، وإن لم ينتظمه مقصد واحد أو موضوع واحد. ففي الجمل المتتابعة التالية: (( أكرموا من يزورنا، وقد حبست على أقاربي داري هذه، وبعت عقاري الذي تعرفونه من فلان، وإذا مت فأعتقوا عبيدي إلا الفاسق ) ). قال الإمام: إن مثل هذه (( الجمل، وإن انتظمت تحت سياق واحد فليس لبعضها تعلق بالبعض ) ) [1] . فانظر كيف جعل هذه الجمل تنتظم تحت سياق واحد لمجرد تجاورها وتتابعها، مع إقراره بعدم تعلق بعضها بالبعض، أي: من ناحية موضوعية. والذي نراه هو اشتراط المعيارين كما هو الاستعمال الجمهوري لمصطلح السياق لا كما يوحي به كلام الإمام فيما نقلنا عنه.

وممن وقفنا له من المعاصرين على تعريفٍ للسياق كتوصيف له في لغة الأقدمين الأستاذ أبو صفية الحارثي في كتابه اللطيف: دلالة السياق منهج مأمون لتفسير القرآن الكريم. قال: (( كلمة السياق في تعبير المفسرين [قلتُ: وكذا غيرهم] تُطلق على الكلام الذي خرج مخرجا واحدا، واشتمل على غرض واحد هو المقصود الأصلي للمتكلم، وانتظمت أجزاؤه في نسق واحد، مع ملاحظة أن الغرض من الكلام، أو المعاني المقصودة بالذات هي العنصر الأساسي في مفهوم السياق، كما أننا قد نستخلص: أن السياق قد يُضاف إلى الآية، وإلى السورة، وإلى القرآن كله، من جهة أغراضه ومقاصده الأساسية، ومن جهة نظمه المعجز ) ) [2] .

ولقد أحسن أبو صفية في هذا التوصيف للسياق أيَّما إحسان، إذ اشتمل تعريفه على معياري السياق كليهما التتابع والوحدة القصدية: فقوله: (( الكلام الذي خرج مخرجا واحدا ) )، والذي (( انتظمت أجزاؤه في نسق واحد ) )يشيران إلى معيار التتابع. وقوله: (( واشتمل على غرض واحد ) )يشير إلى معيار الوحدة القصدية والموضوعية.

ولكنْ قولُه بأن السياق قد يُضاف إلى القرآن كله، إن كان توصيفا لاستعمال الكلمة عند المفسرين، فلا إخاله إلا استعمالا محدَثا لا قديما، وإن كان استنتاجا وبناءا واقتراحا، فهو صواب بلا شك.

(1) الجويني، البرهان، ج 1، ص 265.

(2) أبو صفية الحارثي: عبد الوهاب، دلالة السياق، منهج مأمون لتفسير القرآن الكريم، المؤلف، عمان، 1989 م، ص 85،86.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت