أو غير ذلك من أساليب تأليف الكلام؛ لأن هذه الأنماط الكلامية لا تُسمى في لغة العلماء بالسياق. وإنما يعني به ـ فيما نرى ـ الكيفيةَ التي وقع عليها الكلام في نفسه، كالتقديم أو التأخير، والبسط أو الإيجاز، والانتظام أو الاضطراب، وغير ذلك. ولعله قد أراد بهذا التعريف أن يوصِّف معنى السياق في مثل قولهم: روى الحديث فلان بسياق أطول من هذا أو أحسن منه أو أبسط منه. ويقولون: هذه الرواية بسياق فلان من الرواة، ووافق فلان فلانا في سياق الحديث، وغير ذلك. والذي نراه أن تعريف السياق بالكلام المسوق لمقصد ما، كما اخترنا، أولى من هذا التعريف؛ لأن تعريفنا، فضلا عن كونه يصدق على معنى السياق في العبارات التي ذكرنا، فهو يتوافق، أيضا، وبخلاف تعريف البركتي، مع الاستعمالات الأخرى للسياق، كقولهم: سياق الخبر، وسياق القصة، وسياق السورة، وسياق الآية، وسياق الخطاب، وسياق النص، وغير ذلك.
وأما التعريف الثاني، فليس هو تعريفا للسياق، وإنما هو تعريف لوقوع الكلمة أو العبارة فيه، ولقد اضطر البركتي إلى إيراد هذا التعريف؛ لأن استعمال مصطلح السياق في العبارة التي ذكرها لا يتوافق مع تعريف السياق الذي أورده أولا، والذي هو الأسلوب. ولو اهتدى البركتي إلى التعريف الذي عرفنا به السياق فذكره بدلا من تعريفه الأول لما اضطر لمثل هذا الإيراد؛ لأن هذا الإيراد، حينئذٍ، سيكون تكرارا لا داعي له.
وأما التعريف الثالث، فقد وصّف به البركتي، فيما نرى، استعمال الفقهاء والأصوليين لمصطلح السياق في قولهم: النكرة في سياق النفي تعم، والنكرة في سياق الشرط تعم، والنكرة في سياق الإثبات لا تعم؛ فإن السياق في هذه العبارات لم يُضَف إلى الكلام نفسه، أو إلى ما يُمثِّل حدا له كالآية أو الحديث أو السورة ... الخ، بل أُضيف إلى خصيصة معينة في الكلام كالنفي أو الشرط أو الإثبات، وهذه الخصيصة للكلام تتحدد في بداية الكلام عن طريق وجود أداة النفي أو الشرط أو عدم وجودها. ومن هنا كان السياق هو (( ما قبل الشيء ) ). فالشيء هو الكلمة المنظور في عمومها وعدمه، والسياق هو النفي أو الشرط أو الإثبات الذي يتحدد قبل ورود الشيء. وإذا لم يكن البركتي قد عنى بالسياق في هذا التعريف هذا الذي ذكرنا فلا أدري ما الذي عناه!
وهذا التعريف للسياق ـ إن صح تفسيرنا له ـ محل نظر أيضا، وذلك لأن النفي والشرط والإثبات، وإن كان سببُه وجودَ الأداة أو عدمَه في بداية الكلام إلا أنه، أي النفي وغيره، ينسحب على الكلام الوارد بعد الأداة جميعِه. فالنفي، مثلا، هو صفة للكلام المنفي ككل الذي قبل النكرة والذي بعدها لا للأداة النافية المتصدرة للكلام، فكيف يُقال، إذن، بأن السياق، الذي هو النفي، هو ما قبل الشيء؟! والذي نراه هو أن قولهم: النكرة في سياق النفي تعم، يتضمن حذفا. وتقديرُ الكلام بعد ذكر المحذوف هو كالآتي: النكرة الواردة ضمن سياق الكلام المنفي تعم. وبذا لا يخرج هذا الاستعمال للسياق عن التعريف الذي اخترناه.