بهم. وإلى (( السُّوق ) )وهي موضع البيع والشراء؛ لأن السلع تُساق إليها. وإلى (( السَّويق ) )وهو مطحون القمح والشعير، سُمي بذلك ـ كما قيل ـ لانسياقه في الحلق من غير مضغ ... الخ [1] .
وأما السياق في الاصطلاح، فهو مأخوذٌ من ساق الكلام سوقا وسياقا، بمعنى سَرَدَهُ أو أورده، شُبِّهَ الكلام بالحيوان الذي يُساق بجامع اشتراكهما في التوجيه من قِبَل شخص ما لوجهة أو مقصد معين. وعلى هذا، فالسياق مصدرٌ للفعل ساق. لكن الملاحظ في الاستخدام اللغوي والعلمي للفظ (( سياق ) )أنه لا يُطلق ـ كما هو المعتاد في إطلاق المصادر ـ على عملية السوق نفسها، أي على الحَدَث، بل هو يُطلق على الكلام المسوق، أي على المُحدَث. وعليه، كان إطلاق هذا اللفظ على هذا المعنى من باب استعمال المصدر في الدلالة على اسم المفعول، تماما كما هو الحال في المصدر (( قول ) )المشتق من الفعل: قال يقول قولا، فاللفظ (( قول ) )يُستعمل بمعنى اسم المفعول، أي بمعنى الكلام المقول. تقول: هذا قول فلان، أي: ما قاله من كلام.
وإذن، فالسياق هو الكلام الْمَسوق، أو هو، بعبارة أخرى، ما تم سَوْقُه من الكلام. وإذا لم تعجبك الكلمة (( سَوْقُه ) )في التعريف؛ لأنها تجعله من باب تعريف الشيء بنفسه، فقُل بأن السياق: هو ما تم سرده أو إيراده من الكلام.
ولأنَّ عملية السوق هي عملية هادفة في الأصل، وتتضمّن معنى التوجيه لوجهة معينة، كان من الصواب أن نضيف إلى تعريف السياق عنصر القصد، فنقول بأن السياق: هو ما تم سرده أو إيراده من الكلام لمقصد ما.
ولعله من أجل أن الاستعمال العلمي للكلمة (( سياق ) )لا يعدو الاستعمال اللغوي العام لها، فإنا لم نجد من عرّف (( السياق ) )من العلماء المتقدِّمين.
إلا أن البركتي الحنفي أورد للسياق في معجمه (( الأُصُوفِقْهي ) )ثلاثة تعريفات تُوصِّف ثلاثة استعمالات للمصطلح في لغة العلماء، فقال:
(( 1. سياق الكلام: أسلوبه الذي يجري عليه.
2.وقولهم: وقعت هذه العبارة في سياق الكلام، أي: مدرجة فيه.
3.والسياق: ما قبل الشيء )) [2] .
فأما التعريف الأول، وهو المذكور في المعجم الوسيط [3] ، فلا شك بأن البركتي لا يعني بـ (( الأسلوب ) )فيه نمطَ تأليف الكلام، ككونه شعرا أو رجزا أو خطبة أو رسالة أو مقامة
(1) انظر: ابن منظور، لسان العرب، ج 10،ص 166. والراغب الأصفهاني، المفردات، ص 249. والمعجم الوسيط، ج 1، ص 482.
(2) البركتي، قواعد الفقه، ص 330.
(3) (( سياق الكلام: تتابعه وأسلوبه الذي يجري عليه ) ). المعجم الوسيط، ج 1، ص 482.