وقريبٌ من رأي إمام الحرمين هذا في الإجماع رأيُ الظاهرية، حين رأوه حجة فقط حالَ صدوره عن الصحابة. وذلك لأن احتمالية اطلاعهم على نص لم يبلغ غيرهم هي من أقوى الاحتمالات. قال ابن رشد: (( إنهم [أي أهل الظاهر] يرون الإجماع إنما هو اتفاق الصحابة، رضي الله عنهم، على حكم ما. وذلك لازم لأصولهم؛ لأنهم لا يجوِّزون الإجماع بالقياس. وإذا كان هذا هكذا، فإنما يقع الإجماع عندهم: إما لأثر قد عفا ولم يصل إلينا، وإما لقرائنَ وأحوالٍ مشاهدةٍ منه، صلى الله عليه وسلم. ومثلُ هذا لا يُتصور في غير الصحابة ) ) [1] . وهذا ما مال إليه إمام الحرمين، أيضا، حين قال: (( من ظن أن تَصوُّرَ الإجماع وقوعا في زماننا هذا، في آحاد المسائل المظنونة، مع انتفاء الدواعي الجامعة، هيّن، فليس على بصيرة من أمره. نعم، معظم مسائل الإجماع جرى من صحب رسول الله وهم مجتمعون أو متقاربون ) ) [2] .
أما جمهور الأصوليين القائلين بأن الإجماع بذاته حجة وأنه يجوز أن يكون مستنِدا إلى الاجتهاد، لا أنه دليل على وجود نص سابق كما قال إمام الحرمين، فقد اضطروا إلى الأخذ برأي الإمام عند حديثهم حول النسخ بالإجماع، إذ أقروا بأن الإجماع لا يَنسخُ بنفسه، وإنما هو دليل (= قرينة) على وجود نص ناسخ هو مستند الإجماع نفسه.
قال ابن السمعاني: (( فإن قيل: قد نسختم خبر الواحد بالإجماع، وهو الخبر الذي رُويَ عن النبي، صلى الله عليه وسلم، أنه قال: من غسَّل ميتًا فليغتسل، ومن مسَّه فليتوضأ. قلنا: إنما استُدِلَّ من مخالفة الإجماع له على تقدُّم نسخه، فصار منسوخًا بغير الإجماع لا بالإجماع. فصار الإجماع في هذا الموضع دليلا عن النسخ ولم يقع به النسخ ) ) [3] .
(1) ابن رشد، الضروري، ص 92.
(2) الجويني، البرهان، ج 1، ص 434.
(3) ابن السمعاني، قواطع الأدلة، ج 1، ص 425. ونبه عليه الزركشي، البحر المحيط، ج 4، ص 129.