فهرس الكتاب

الصفحة 99 من 384

وقال الصيرفي: (( ليس للإجماع حظٌّ في نسخ الشرع، لأنهم لا يشرعون، ولكنَّ إجماعهم يدل على الغلط في الخبر أو رفع حكمه، لا أَنهم رفعوا الحكم، وإنما هم أتباعٌ لِما أُمروا به ) ) [1] .

وقال القاضي أبو يعلى: (( يجوز النسخ بالإجماع لكن لا بنفسه، بل بمستنده، فإذا رأينا نصا صحيحا والإجماع بخلافه استدللنا بذلك على نسخه، وأَنَّ أهل الإجماع اطلعوا على ناسخ، وإلا لما خالفوه ) ) [2] .

وقال ابن رشد: (( الإجماع لا يُنسخ به، إذ لا نسخ بعد انقطاع الوحي، وإنْ تُوُهِّم أنّ شيئا ما منسوخ بالإجماع فذاك دليل على ناسخ سبق لم يبلغنا ) ) [3] .

والقرينة الثانية: قول الصحابي فيما لا مدخل فيه للرأي أو قوله إذا خالف القياس، فإنه حجة عند كثير من الأصوليين، لا لذاته، وإنما لأنها تقوى فيه شبهة السماع عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أي لأنه دليل أو قرينة على وجود نص مرفوع للنبي، صلى الله عليه وسلم، وإن لم يبلغنا. قال عبد العزيز البخاري: (( أما فيما لا يُدرك بالقياس نحو المقادير وغيرها فلا بد من العمل به، أي بقول الصحابي، حملا لقوله على التوقيف، أي السماع والتنصيص من رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لأنه لا يُظن بهم المجازفة في القول، ولا يجوز أن يُحمل قولهم على الكذب، فإن طريق الدين من النصوص إنما انتقل إلينا برواياتهم. وفي حمل قولهم على الكذب والباطل قولٌ بفسقهم، وذلك يبطل روايتهم. فلم يبقَ إلا الرأي والسماع ممن ينزل عليه الوحي. ولا مدخل للرأي في هذا الباب فتعين السماع، وصار فتواه مطلقةً كروايته عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ولا شك أنه لو ذَكر سماعه عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كان ذلك حجة لإثبات الحكم به، فكذا إذا أفتى به ولا طريق لفتواه إلا السماع ) ) [4] . وقال الغزالي: (( قال [الشافعي] في كتاب اختلاف الحديث: إنه رُوي عن علي أنه صلى في ليلة ست ركعات في كل ركعة ست سجدات. قال [أي: الشافعي] : لو ثبت هذا عن علي لقلت به ) ). قال الغزالي: (( وهذا لأنه رأى أنه [عليّ] لا يقول ذلك إلا عن توقيف إذ لا مجال للقياس فيه ) ) [5] . وقال الباقلاني: (( وهذا من قوله [أي: قول الشافعي آنف الذكر] ، يدل على أنه كان يعتقد أن

(1) نقله عنه: الزركشي، البحر المحيط، ج 4، ص 129. هذا وقد ظنَّت د. نادية شريف العمري ـ النسخ في دراسات الأصوليين، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط 1، 1405 هـ=1985 م، ص 350 ـ من خلال رأي الصيرفي هذا بأنه ينسب احتمال الغلط للإجماع نفسه لا إلى الخبر المعارض، فقالت: (( ونرد عليه فنقول: إن احتمال الغلط قد يحصل باجتهاد مجتهد، ولكنه لا يحصل بالإجماع مطلقا وذلك بدليلين: الأول من جهة المعنى: فإنه لا يعقل أن يقع الغلط بالإجماع. والثاني من جهة النقل، فإنه أثر عن الرسول، صلى الله عليه وسلم، أنه قال لا تجتمع أمتي على ضلالة ) )وخطأها في هذا بينٌ لا يُحوج إلى توضيح أو تعليق.

(2) نقله عنه: الزركشي، البحر المحيط، ج 4، ص 129.

(3) ابن رشد، الضروري، ص 86.

(4) البخاري، كشف الأسرار، ج 3، ص 409،410.

(5) الغزالي، المستصفى، ج 1، ص 271. نبه عليه: الزركشي، البحر المحيط، ج 6، ص 62.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت