الدلالات. وكذلك نشهد الصبي يرتضع مرة بعد أخرى، فيحصل لنا علمٌ قطعي بوصول اللبن إلى جوفه، وإن لم نشاهد اللبن في الضرع، لأنه مستور، ولا عند خروجه، فإنه مستور بالفم. ولكن حركة الصبي في الامتصاص، وحركة حلقه تدل عليه دلالة ما، مع أن ذلك قد يحصل من غير وصول اللبن، لكن ينضم إليه: أن المرأة الشابة لا يخلو ثديها عن لبن، ولا تخلو حلمته عن ثقب، ولا يخلو الصبي عن طبعٍ باعث على الامتصاص مُستخرِجٍ للبن. وكلُّ ذلك يُحتمَل خلافُه نادرا وإن لم يكن غالبا، لكن إذا انضم إليه سكوت الصبي عن بكائه، مع أنه لم يتناول طعاما آخر صار قرينة، ويُحتمَل أن يكون بكاؤه عن وجعٍ وسكوتُه عن زواله، ويُحتمل أن يكون تناول شيئا آخر لم نشاهده، وإن كنا نلازمه في أكثر الأوقات. ومع هذا فاقتران هذه الدلائل كاقتران الأخبار وتواترها، وكلُّ دلالة شاهدة يتطرق إليها الاحتمال كقول كل مخبر على حياله، وينشأ من الاجتماع العلم )) [1] .
وفي شأن ضبط هذه القرائن وتقسيمها:
عَمِدَ أبو الحسين البصري (ت 436 ه (إلى قسمة مبدئية لها، فقال بأن هذه القرائن:
إما أن ترجع إلى أحوال المخبِر.
وإما أن ترجع إلى غير أحواله.
أما التي ترجع إلى غير أحوال المخبر: فمثالها: (( اقتران الواعية [= الصُّراخ] ، وحضور الجنازة، بالخبر عن الموت ) ).
وأما التي ترجع إلى أحوال المخبِر:
(( فنحو أن يكون له صارف عن الكذب في ذلك الخبر، ولا يكون له داع إليه ) ).
(( ونحو أن يكون متحفظا من الكذب نافرا عنه في الجملة ) ).
(( ونحو أن يكون رسولا من سلطان يذكر أن السلطان يأمر الجيش بالخروج إليه، فعقوبة السلطان تصرفه عن الكذب ) ).
(( ونحو أن يخبر الإنسان بأسعار بلده، وهو ذو مروءة تصرفه عن الكذب، ولا يكون له إلى الكذب في ذلك داع ) ).
(( ونحو أن يكون الإنسان مهتما بأمر من الأمور متشاغلا به، فيُسأل عن غيره، فيخبر عنه في الحال، فيُعلم أنه لم يفكر فيه فيدعوه إلى الكذب داع، مع علمنا بأن كونه كذبا يُصرف عنه ) ) [2] .
أما إمام الحرمين (ت 478 ه (فكأنه لم يقنع بصنيع البصري، ولذا فقد أحال ضبط هذا النوع من القرائن تعريفا وتقسيما، فقال: (( ولو رام واجد العلوم ضبط القرائن، ووصفها بما تتميز به عن غيرها، لم يجد إلى ذلك سبيلا، فكأنها تدق عن العبارات، وتأبى على من يحاول ضبطها
(1) الغزالي، المستصفى، ج 1، ص 135.
(2) أبو الحسين البصري، المعتمد، ج 2، ص 94، 95. والملاحظ على هذه الأمثلة التي يذكرها أبو الحسين أن القرينة فيها تقوي الخبر، لكنها لا ترقى إلى جعله يفيد القطع. وقد أشار البصري نفسه إلى احتمالية هذه القرائن.