بها )) [1] . وقال أيضا: (( وكل قرينة تتعلق بالعادة يستحيل أن تُحدّ بحدّ أو تُضبط بعدّ ) ) [2] . وقال المازري: (( لا يمكن أن يُشار إليها [أي القرائن] بعبارة تضبطها ) ) [3] .
وقسَّمها السعد التفتازاني (ت 791 ه (، بقوله: (( إنها:
1.قد تكون عادية: كشق الجيب والتفجع على من يخبر بموت والده.
2.وقد تكون عقلية: كما في الإخبار بما عُلم صدقه ضرورة أو استدلالا.
وقد تكون حسِّية: كما على المخبِر بعطشه )) [4] .
? آراء العلماء في إفادة الخبر عموما العلم بوجود القرائن:
الأثر الذي تلقيه قرائن التقوية على الخبر عموما ينحصر ـ كما سبق القول [5] ـ بأحد أمرين:
الأول: القطع بثبوت الخبر. أو على حد تعبير الأصوليين: إفادة الخبر العلم.
والثاني: تقوية الظن بثبوت الخبر.
أما الأثر الثاني، وهو تقوية الظن، فلم يخض الأصوليون في القرائن التي تؤدي إلى تقوية الظن بثبوت الخبر عموما، وإن خاضوا في القرائن المقوية لثبوت الأخبار الشرعية خصوصا.
وأما الأثر لأول، وهو إفادة العلم، فقد انقسم العلماء إزاء إفادة الخبر عموما العلم بوجود قرائن التقوية على ثلاثة آراء:
فمنهم من اشترط وجود هذه القرائن مع الخبر حتى يفيد العلم. وسواء أكان الخبر متواترا أم آحادا. وهو رأي النظام وإمام الحرمين وابن رشد.
ومنهم من اشترط وجودها مع خبر الآحاد فقط، دون التواتر، حتى يفيد العلم وهو رأي الجمهور.
ومنهم من أنكر تأثيرها على إفادة الخبر العلم متواترا كان الخبر أم آحادا، وهو الرأي المنسوب إلى الباقلاني وعُزي إلى الأكثرين [6] .
(1) الجويني، البرهان، ج 1، 373.
(2) الجويني، البرهان، ج 1، 376.
(3) نقله عنه: الزركشي، البحر المحيط، ج 4، ص 266.
(4) التفتازاني، حاشية التفتازاني على شرح العضد، ج 2، ص 52. وانظر: ابن النجار: شرح الكوكب المنير، ج 2، ص 333.
(5) ص 73.
(6) وإليك عرضا وتوثيقا لهذه الآراء مع بيان الرأي الحق فيها:
من الأوائل الذين تنبهوا للقرائن ومدى تأثيرها على قطعية الخبر النظام المعتزلي (ت حوالي 221 هـ) ، حيث عُزي له في هذا المجال رأيان جريئان:
الأول: أن خبر التواتر لا يفيد العلم بمجرده إلا أن تحتف به القرائن.
والثاني: أن خبر الآحاد قد يفيد العلم إذا احتفت به القرائن. [انظر: أبو الحسين البصري، المعتمد، ج 2، ص 92] .
ولم يلقَ هذان الرأيان ـ كسائر آراء النظام ـ رواجا لدى من جاء بعده من الأصوليين فتتابعوا عليهما بين منكر ومهمل، إلى أن نظر فيهما إمام الحرمين (ت 478 هـ) نظرة إنصاف فتبناهما ودافع عنهما وأنكر أن يكون لخبر التواتر حدٌّ محدود أو عددٌ معدود، وإنما قد تجتمع مع العدد القليل قرائن الصدق فيفيد القطع، وقد تجتمع مع العدد الكثير قرائن الكذب فلا يفيد القطع. [انظر: البرهان، ج 1، ص 374،375] .
وكذلك قال الغزالي (ت 505 هـ) ، إلا أنه صرّح ـ حالة تقدير انتفاء القرائن ـ بوجود عدد محدد يفيد العلم. وهذا العدد (( معلومٌ لله تعالى، وليس معلوما لنا، ولا سبيل لنا إلى معرفته ) )قال: ويعسر علينا أن نقوم بتجربة تدل على هذا العدد وإن تكلفناها. (( وسبيلُ التكلف أن نراقب أنفسنا إذا قُتل رجلٌ في السوق مثلا، وانصرف جماعةٌ عن موضع القتل، ودخلوا علينا يخبرونا عن قتله. فإن قول الأول يحرك الظن، وقول الثاني والثالث يؤكده، ولا يزال يتزايد تأكيده إلى أن يصير ضروريا لا يمكننا أن نشكِّك فيه أنفسنا. فلو تُصُوِّر الوقوفُ على اللحظة التي يحصل العلم فيها ضرورةً، وحُفِظ حسابُ المخبرين وعددُهم لأمكن الوقوف. ولكن درْك تلك اللحظة عسير، فإنه تتزايد قوة الاعتقاد تزايدا خفي التدريج، نحو تزايد عقل الصبي المميز إلى أن يبلغ حد التكليف، ونحو تزايد ضوء الصبح إلى أن ينتهي إلى حد الكمال، فلذلك بقي هذا في غطاء من الإشكال، وتعذر على القوة البشرية إدراكه ) ). [المستصفى، ج 1، ص 137] .
وكأن ابن رشد (ت 595 هـ) لم يرتضِ هذا الذي قاله الغزالي فقال بعد أن عرّف التواتر بقوله: (( إن التواتر هو خبر مستفيض يحصل عنه اليقين في أمورٍ ما وعند أحوالٍ ما ) )ــ قال: (( قولنا: عند أحوالٍ ما، تحفُّظٌ فيما تواتر ولم يقع اليقين به، ولذلك رام قومٌ لَمّا شعروا بهذا أن يشترطوا في التواتر عددا يلزم عنه بالذات وأولا اليقين، حتى يكون هو السبب في وقوع اليقين عنه ومقتضيا له على جهةِ ما تقتضي الأسبابُ مسبَبَاتِها. فلما لم يتحصل لهم، حدّوه بأنه الذي يحصل عنه اليقين على أنه مُحَصَّل الوجود في نفسه، وإن كان مجهولا عندنا. والمشاهدة بخلاف ذلك، فإنه يظهر أن العدد الذي يحصل عنه اليقين يزيد وينقص في نازلة نازلة، ولو كان هاهنا عددٌ ما بالطبع يحصل عنه اليقين بالذات وأولا، لكنّا سنحسُّه ونقف عليه. وبالجملة، فإن كثرة المخبرين أحد القرائن التي تفيد التصديق، ولذلك يلزم أن يزيد وينقص بحسب ما تنضاف إليه من القرائن الأخر ) ). [ابن رشد، الضروري، ص 68] .
والذي أراه أن الخلاف في اشتراط القرائن لإفادة المتواتر العلم، يتمحور على ما هو المقصود بخبر التواتر: أهو مجرد الخبر الذي يرويه الكثير، أم الخبر الذي يرويه الكثير بشرط استحالة تواطؤهم على الكذب. فمن فهم من الأصوليين بأن المتواتر هو خبر الكثرة مطلقا، قال بأن الخبر المتواتر لا يفيد العلم إلا أن تحتف به القرائن، وذلك للوقوف بواسطتها على استحالة التواطؤ، إذ العدد وحده لا يقتضي هذه الاستحالة. وعلى هذا يتنزل مذهب النظام وإمام الحرمين وابن رشد. ومن هنا قال إمام الحرمين: (( إني أفرِضُ تَخلُّفَ العلمِ بالصدقِ عن إِخبار عددٍ كثير، وجمٍّ غفير، إذا جمعتهم إيالة، وضمّهم في اقتضاء الكذب حالة، فإن الملك قد يواطئ قوّادَ الجند في مكيدة ليواطئوا المترتبين في جملتهم، وغرضُه إخفاء أمره ليشنّ غارة، فيقع التواطؤ على الكذب فيما أشرنا إليه، ولا تعويل على العدد بمجرّده أصلا ) ). [البرهان، ج 1، ص 347] . وأما من عنى بخبر التواتر ما ترويه كثرةٌ مخصوصة هي التي يستحيل عليها الاجتماع على الكذب: قال بأن الخبر المتواتر بالتعريف المذكور يفيد العلم بمجرّده دون الحاجة إلى قرائن إضافية، وهو في هذا لا ينفي أن معرفة التواطؤ تتوقف على القرائن لكنها قرائن لازمة للخبر غير منفكة عنه. ومن هنا قال أبو الحسين البصري في توجيه اشتراط النظام وجود القرائن لإفادة الخبر المتواتر العلم: (( ولعل أبا إسحاق عنى بالقرائن بالأخبار المتواترة ما لا ينفك منها الأخبار المتواترة نحو امتناع اتفاق الكذب منهم وأن لا يصح فيهم التواطؤ ) ). [المعتمد، ج 2، ص 93] . وكذلك فرّق ابن الحاجب في القرائن المحتفة بخبر التواتر بين نوعين من القرائن: اللازمة أو المتصلة، وغير اللازمة أو المنفصلة. فاللازمة ما لا ينفك عنها تعريف المتواتر، كالتي ذكرها أبو الحسين، وغير اللازمة هي (( القرائن الاتفاقية للتعريف الزائدة على القدر المحتاج إليه في التعريف ) )، كاختلاف أنساب المخبرين، وتباعد أماكنهم، وكون مضمون الخبر في نفسه أدنى إلى التصديق، وغير ذلك. [انظر: ابن الحاجب، منتهى الوصول، ص 70. وقد اختلف الشراح والمحشّون في تفسير كلام ابن الحاجب في شأن هذه القرائن والمختار ما أثبتناه. انظر: العضد: عبد الرحمن بن أحمد الإيجي: شرح العضد على مختصر ابن الحاجب، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 2، 1403 هـ=1983 م، والتفتازاني، حاشية التفتازاني على شرح العضد، ج 2، ص 52،54. وانظر أيضا: الشربيني: تقرير الشربيني على جمع الجوامع. والبناني: عبد الرحمن بن جاد الله، حاشية البناني على شرح الجلال لجمع الجوامع، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1، 1418 هـ=1998، ج 2، ص 188،189] .
إذن، فالخلاف، إلى هنا، لفظي، انبنى على ماهية الكثرة المقصودة بالتواتر. أهي كثرة مطلقة، أم كثرة مشروطة باستحالة التواطؤ. فالأولى تُشترط لها القرائن، إذ بدونها لا نستطيع الوقوف على استحالة التواطؤ. أما الأخرى فلا تُشترط لها؛ لأنا نكون قد أدخلنا هذه القرائن ضمنا في هذه الكثرة المخصوصة حينما جعلناها مشروطة باستحالة التواطؤ، فهذه القرائن لازمة لتعريف المتواتر غير خارجة أو منفصلة عنه.
أما إفادة خبر الواحد القطع بوجود القرائن المعتبرة، فهذا حق لا مرية فيه. وخلاف القاضي الباقلاني فيه لا ينبغي، لأنه نفسه قال بإفادة خبر الواحد العلم عند احتفاف بعض القرائن به كالإجماع على صدقه، أو ككونه قد سكت عن تكذيبه عدد يحصل بهم التواتر، أو سكت عن تكذيبه نبي. [انظر: الجويني، التلخيص، ج 2، ص 312] . وعليه:
فإما أن نُنزِّل رأي الباقلاني على أحد أمرين:
أحدهما: أنه أراد أن خبر الواحد لا يفيد العلم بوجود قرائن معينة، كالتي ذكرها النظام، من حضور الجنازة ووجود البكاء وغيره؛ لأنها قرائن يمكن أن نقدِّر كذبها أو خطأها.
والأمر الثاني: أنه أراد نفيَ القول بأن خبر الواحد يفيد العلم دوما وفي كل حال. وهو الرأي المنسوب خطأ للنظام كما يُفهم من كلام إمام الحرمين ـ [البرهان، ج 2، ص 374] ـ فلعل الباقلاني أراد إبطال هذا الرأي.
وإما أن نخطئه، أي الباقلاني، فيما قال، لا سيما وهو المعروف بمخالفته للمعتزلة في كثير مما قالوه لمجرد أنهم هم الذين قالوه. وحسبُنا في هذه التخطئة مخالفةُ أتباعه له كإمام الحرمين والغزالي والرازي والآمدي وابن الحاجب. قال الغزالي: في مسألة تغير عدد التواتر ما بين واقعة وأخرى (( إنْ تجرّد الخبر عن القرائن فإن العلم لا يستند إلى مجرد العدد. ونسبة كثرة العدد إلى سائر الوقائع وسائر الأشخاص واحدة. أما إذا اقترنت به قرائن تدل على التصديق فهذا يجوز أن تختلف فيه الوقائع والأشخاص. وأنكر القاضي ذلك، ولم يلتفت إلى القرائن ولم يجعل لها أثرا. وهذا غير مرضي؛ لأن مجرد الإخبار يجوز أن يورث العلم عند كثرة المخبرين وإن لم تكن قرينة، ومجرد القرائن أيضا قد يورث العلم وإن لم يكن فيه إخبار. فلا يبعد أن تنضم القرائن إلى الإخبار فيقوم بعض القرائن مقام بعض العدد من المخبرين ) ). [المستصفى، ج 1، ص 135] .
بقي الخلاف بين الغزالي وابن رشد حيث قدّر الأول، عند انتفاء القرائن، وجود عدد مجهول يحصل عنه القطع. أما الثاني فأحال ذلك قائلا: (( والمشاهدة بخلاف ذلك، فإنه يظهر أن العدد الذي يحصل عنه اليقين يزيد وينقص في نازلة نازلة ولو كان هاهنا عدد ما بالطبع يحصل عنه اليقين بالذات وأولا لكنا سنحسُّه ونقف عليه ) ). [الضروري، ص 68] . وكلاهما له وعليه. أما الغزالي؛ فلأن تقدير انتفاء القرينة مع الخبر مستحيل في عالم الواقع، إذ لا ينفك خبر في حال من الأحوال عن قرينة حاضرة أو مقدرة ذهنيا من قِبل السامع. ومن هنا، كان لا جدوى من الكلام عن عدد محدّدٍ للتواتر. وأما ابن رشد؛ فلأنه أغفل في رده أن الغزالي يقول بمحدودية العدد حالة انتفاء القرائن لا مطلقا.