والأمر الآخر: تعداد لبعض أمثلة هذه القرينة أو بعض أنواعها.
ومن ذلك: ما قاله الجصَّاص: (( ومن الظواهر ما يقضي عليه دلالةُ الحال فينقل حكمه إلى ضد موجب لفظه في حقيقة اللغة، نحو قوله تعالى: {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ} (فصلت:40) ، {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُر} (الكهف:29) ، {وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ} (الاسراء:64) ، ونحو ذلك. فلو ورد هذا الخطاب مبتدئا عاريا عن دلالة الحال لكان ظاهره يقتضي إباحة جميع الأفعال، وهو في هذه الحال وعيدٌ وزجرٌ بخلاف ما يقتضيه حكم اللفظ المطلق العاري عن دلالة الحال. ومن نظائر ذلك قول النجاشي:
إذا الله عادى أهلَ لؤمٍ ورقةٍ فعادى بني العجلان رهطَ ابنَ مقبل
قُبيِّلةٌ لا يغدرون بذمة ... ولا يظلمون الناس حبة خردل
ومعلوم أن الناس يتمدحون بنفي الغدر والظلم عن أنفسهم، وهو في هذا الموضع ذمٌّ وهجاء، فخرج اللفظ مخرج الهجاء، فكان معناه: أنهم أقل من أن يُوثق لهم بذمة يغدرون بها، وأعجز من أن يظلموا أحدا. فكانت دلالة الحال ناقلة لحكم اللفظ إلى ضد مقتضاه وموجبه لو كان ورودُه مطلقا. ومما اعتبر أصحابنا في هذا المعنى من مسائل الفقه، قولهم: من قامت امرأته لتخرج، فقال لها: إن خرجت فأنت طالق: أنها إن قعدت ثم خرجت بعد ذلك لم يحنث. وكذلك لو قال الرجل [لآخر] : تغدَّ عندي اليوم، فقال: إن تغديتُ فعبدي حر: أن هذا على ذلك الغداء بعينه، فإن تغدى عنده بعد ذلك لم يحنث )) [1] .
ومما ورد عنهم، أيضا: ما قاله إمام الحرمين: بأن (( القرائن تنقسم: إلى قرائن حالية، وإلى قرائن لفظية:
فأما الحالية: فكقول القائل: رأيت الناس، وأخذت فتوى العلماء. ونحن نعلم أن حاله لا يحتمل رؤية الناس أجمعين، ومراجعة جميع العلماء )) [2] . وهذه هي قرينة حال المتكلم.
ثم ألحق بها قرينة (( إذا ورد خطاب الشارع، صلوات الله عليه وسلامه، على سبب مخصوص وسؤالٍ واقعٍ عن واقعة معينة ) ) [3] . وبحثها بتفصيل.
ومنه: ما قاله الفخر الرازي: بأن (( القرينة [الصارفة للفظ عن حقيقته] : ... قد تكون حالية، وقد تكون مقالية:
أما الحالية: فهي ما إذا عُلِم أو ظُنَّ أن المتكلم لا يتكلم بالكذب فيُعلم أن المراد ليس هو الحقيقة بل المجاز.
ومنها: أن يقترن الكلام بهيئات مخصوصة قائمة بالمتكلم دالة على أن المراد ليس هو الحقيقة بل المجاز.
(1) الجصاص، الفصول في الأصول، ج 1، ص 51،52.
(2) الجويني، البرهان، ج 1، ص 253.
(3) الجويني، البرهان، ج 1، ص 253.