فهرس الكتاب

الصفحة 6 من 384

(( فلينظر الناظر كيف لقطنا من كل مسلك خيارَه، وقررنا كل شيء على واجبه في محله. وهذه غايةٌ ينبغي أن ينتبه من يبغي البحث عن المذاهب لها، فإنه يبعد أن يصير أقوامٌ كثيرون إلى مذهبٍ لا منشأ له من شيء. ومعظم الزلل يأتي أصحاب المذاهب من سبقهم إلى معنى صحيح، لكنهم لا يسبرونه حقَّ سبْره، ليتبينوا بالاستقراء أنّ موجبه عامٌّ أو مُفصَّل. ومن نظر عن نحيزة سليمة عن منشأ المذاهب، فقد يفضي به نظره إلى تخيُّر طَرَفٍ من كل مذهب، كدأبنا في المسائل ) ) [1] . ولا شك أنا بهذا المنهج نتقي الطريقة التطرفية في التفكير التي تصطبغ بها العديد من الأبحاث العلمية قديما وحديثا، وهي الطريقة التي صوّرها أحدهم بقوله: (( يجنح كل الناس إلى أن يفكِّروا في حدود: خير وشر، أسود وأبيض، حار وبارد، الله والشيطان، غني وفقير، ... الخ. وحيث إن هذا الاتجاه الثنائي التقويم ينطوي عليه كل تفكيرنا، فيما عدا في المسائل التكنولوجية، فالحصيلة الحتمية لمعظم خلافاتنا هي أن كلا الطرفين يتباعدان عن بعضهما ويصبحان على طرفي نقيض ...

فالأمّيون من الناس و (( غير المتعلمين ) )ليسوا وحدهم بأية حال الذين يسلكون هذا الاتجاه الثنائي التقويم، وإنما يشترك معهم في هذا المسلك آخرون من غير الأميين ومن غير (( غير المتعلمين ) ). فالمتحاجُّون حول القضايا الخلافية في المجلات الثقافية (( الذكية ) )، وفي الصحف (( العارفة ) )يقبعون في نفس الأصفاد ويرضخون لنفس اللازمة سواء بسواء ... فليس ثمة وسط بين الأسود والأبيض، وإما كل شيء أو لا شيء )) [2] .

رابعا: المعاصرة. وذلك بوصل البحث الأصولي التقليدي بالعلوم اللغوية الحديثة، لا سيما علم الدلالة"السيمانتك"، ولعلَّ هذا الوصل يُعد من أبدع ميزات هذه الدراسة التي حاولت المزج بين القديم والحديث مع الإضافة القيَّمة لكلا المصدرين. إنَّ جل الكتب التي تتعلق بعلم الأصول في زمننا الحالي إما كتب تقليدية تهدف في أكثرها إلى عرض القديم ـ أو موضوعات معينة منه ـ بلغة أكثر سلاسة ومعاصرة، وقليل من هذه الكتب ما يهدف إلى النقد التفصيلي للقديم والبناء عليه. وإما كتب غير تقليدية تهدف إلى نقد هذا العلم إجمالا أو تدعو إلى تطويره أو الاستغناء عنه بعلم المقاصد، وغير ذلك من الدعوات التي تصدر عن غير المتخصصين في الغالب. وهذه الكتابات هي في الحقيقة كتابات (( عن أصول الفقه ) )وليست (( في أصول الفقه ) ). ما أسهل أن نتكلم عن ضرورة تطوير علم أصول الفقه وتجديده! وربما نرسم بعض المعالم العامة لهذا التجديد! ولكنَّ التحدِّي الحقيقي من وجهة نظرنا هو في ممارسة التجديد فعلا، وهو لا يكون إلا بعد استقراء القديم وهضمه وسبره، وإلا كنا نحاول تجديد ما لا معرفة لنا بصلوحه أم لا. وفي هذا السياق تأتي هذه الدراسة لتعرض محاولة عَمَلِيَّة للتجديد في مجال القرائن. وهي تتمثل في استقراء القديم وسبره والنقد التفصيلي لما

(1) الجويني: إمام الحرمين عبد الملك بن عبد الله، البرهان في أصول الفقه، تحقيق عبد العظيم الديب، دار الوفاء، المنصورة، ط 3، 1412 هـ=1992 م، ج 1، ص 326.

(2) روبي، فن الإقناع، ص 237.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت