شرح المعيار:
ينطوي معيار الصراحة الذي أشرنا إليه على أربعة عناصر، هي:
1.اللفظ المجرد.
2.المعنى.
3.المتلقي.
4.سرعة إفضاء اللفظ إلى المعنى.
ولا يتضح هذا المعيار إلا بعد بيان مقصودنا بهذه العناصر الأربعة.
? العنصر الأول: اللفظ المجرد:
اللفظ، كما هو معلوم، نوعان: مفرد ومركب. وهو في عالم الواقع والاتصال بين الناس لا يكون مفردا ـ كما هو في المعجم ـ بل يكون ضمن نصوص. والنص أو الخطاب ليس هو مجموعة من المفردات فحسب، بل هو مجموعة من المفردات التي يؤلف بينها المتكلم ضمن تركيب مفيد يسمح به النظام اللغوي، ثم يطلقها، قولا أو كتابة، في حال مخصوصة، لتحقيق غرض مخصوص. فالنص ليس هو الكلمات المفردة، بل هو ـ كما قال الأزهر الزناد: (( نسيجٌ من الكلمات ) ) [1] . والنسيج ـ كالقميص مثلا ـ يتخذ شكلا ونقشا معينين، ويستهدف غرضا مخصوصا، في ظل ظروف مخصوصة، والكلمات ليست هي إلا خيوط هذا النسيج، إذا نظرنا إليها قبل عملية النسج. نعم، تُشكِّل الألفاظ المفردة (= الكلمات) مادة النص وبنيته الأساسية بحيث يتأثر معناه الكلي بالمعاني المعجمية والصرفية لهذه الكلمات بشكل كبير، لكنّ هذا ينبغي أن لا ينسينا الجوانب الأخرى للنص التي تكمِّل أداء الكلمات وتؤثر فيه إلى حدٍّ ليس بالهين.
وفي كلامهم حول الصريح من الألفاظ وغير الصريح، ودرجات وضوح الألفاظ، تعرض الفقهاء والأصوليون، بالدرجة الأولى، إلى الألفاظ المركبة على هيئة خطاب أو نص، لا للألفاظ المفردة، وتجد ذلك واضحا من خلال تمثيلهم للفظ الصريح والكناية بخطابات تامة المعنى مثل: أنت طالق، أو أنت خلية، أو بعت، واشتريت، وغير ذلك. لكنَّ هذا لا يعني أنهم لا يرون الصراحة وصفا للمفرد كما هي وصف للمركب، وإلا لما عرَّفوا الصريح بكونه (( لفظ ) )، هكذا بإطلاق. وإنما كان تمثيلهم بالمركبات هو الغالب لا إعراضا منهم عن المفردات، بل لأنها هي ـ سواء منها الخطاب عموما أو النص خصوصا ـ ميدانُ عملهم فقها وتأصيلا.
(1) الأزهر الزناد، نسيج النص، المركز الثقافي العربي، بيروت، الدار البيضاء، ط 1، 1993 م، ص 12.