فهرس الكتاب
أما تقييدنا اللفظ في المعيار بكونه (( مجردا ) )فاحترازٌ منا عن الصريح لغيره، إذ الكنايات مع النيات أو القرائن الحالية والسياقية الكاشفة عن المراد منها صرائح أو (( كالصرائح ) )بالتعبير الفقهي [1] .
فإن قيل: أَوَليستْ هذه القرائن جزءا من النص أو الخطاب، فتكون داخلة في مفهومه، وبالتالي لا حاجة لتقييد اللفظ بكونه مجردا؟
فالجواب هو: أن المسألة قضية اصطلاح في مفهوم النص أو الخطاب. والذي نراه أن الأصوليين والفقهاء إذ يطلقون النص أو الخطاب فإنهم يغايرون بينه وبين ما احتف به من قرائن خارجية، كالحال والنصوص أو الخطابات الأخرى التي تقع ضمن ما سنسميه بالسياق الواسع للنص أو الخطاب كما سنرى لاحقا. ولا شك أنهم بهذا يخالفون أرباب المدرسة اللغوية التي ترى أن القرائن المحتفة باللفظ، لا سيما ما يسمونه بـ (( سياق الحال ) )، هي جزء لا يتجزأ من كيانه [2] ، وبالتالي فهي داخلة في مفهومه. وإذا اتفقنا على الأهمية البالغة للقرائن، أو للسياق بشقيه: الحالي واللغوي، في الكشف عن المراد بالخطاب، فكونهما جزءا منه أو ليسا كذلك، قضية اصطلاح ـ من وجهة نظري ـ لا يترتب عليها فائدة عملية ذات بال.
? العنصر الثاني: المعنى:
ويُنظر إليه من جهتين:
إحداهما: جهة حصوله في ذهن المتكلم، على صورة فكرة أو (( صورة ذهنية ) )، قبل إصدار اللفظ. وهذا المعنى هو ما قصدناه ـ في نص المعيار ـ بـ (( المعنى الذي قصده المتكلم من اللفظ ) ).
والجهة الثانية: جهة حصوله في ذهن المتلقي بعد تلقيه اللفظ الذي أصدره المتكلم.
فالمعنى الأول: هو المعنى (( المنتِج ) )للفظ، والمعنى الثاني: هو المعنى (( الناتج ) )عن اللفظ. وقد يتطابقان كليا أو يتخالفان كليا أو يقصُر أحدهما عن الآخر، لكن الغاية الأساس لمتلقِّيْ الألفاظ ـ ومنهم الفقهاء ـ هي أنْ يتطابق المعنيان بحيث يكون المعنى المنتِج للفظ هو نفسه الذي نتج في أذهانهم عنه. أي أنهم يبحثون كل البحث عن المعنى المقصود للمتكلم من اللفظ. ومن هنا فإنَّا نقيس صراحة اللفظ لا بالنسبة إلى أي معنى يمكن أن يُفهم منه، وإنما بالنسبة إلى المعنى الذي قصده منه المتكلم فحسب. فمثلا، قول القائل لزوجه: أنت
(1) انظر: ابن قدامة: عبد الله بن أحمد المقدسي، المغني، دار الفكر، بيروت، ط 1، 1405 ه، ج 9، ص 81.
(2) لا سيما العالمين (( مالونيفسكي ) )و (( فيرث ) )زعماء الوظيفة الاجتماعية للغة. وأشد منهما زعيم المدرسة السلوكية (( بلومفيلد ) )الذي يرى بأن معنى الصيغة اللغوية ما هو إلا: (( الموقف الذي ينطق فيه المتكلم بالمعنى، والاستجابة التي يحدثها المعنى في السامع ) ). انظر: بالمر، علم الدلالة إطار جديد، ص 81.