طالق، صريح في إفادة الطلاق إذا كان مقصود الزوج من هذا الكلام هو الطلاق بالفعل. أما إذا كان مقصوده منه هو السماح لزوجته بالخروج من المنزل بعد أن كان قد منعها من الخروج لفترة، فقوله هذا غير صريح في هذا المعنى. وإذن، فالكلام الواحد قد يكون صريحا بالنسبة إلى معنى ما، وغير صريح بالنسبة إلى معنى آخر، والضابط، عند الإطلاق، هو صراحته بالنسبة إلى المعنى المقصود للمتكلم، لأنه هو الغاية التي يُراد قياس درجة صراحة اللفظ بالنسبة للدلالة عليها.
? العنصر الثالث: المتلقي:
المتلقي هو السامع للكلام أو الناظر فيه، ويتفاوت المتلقون في قدرتهم على الوصول إلى مرامي الكلام، فمنهم الفَطِن الذي يدرك المقصود من الكلام سريعا حتى لو لم يكن الكلام صريحا في الإفصاح عنه، ومنهم البليد الذي لا يدرك المقصود من الكلام إلا بمعاناة حتى لو كان الكلام صريحا في الإفصاح عنه، ولذا فقد احتجنا في معيار الصراحة، المعتمدِة على سرعة الإدراك، أن نحدِّد متلقيا ما نقيس صراحة اللفظ وغموضه بالنسبة إليه. ولا شك أنه ليس هو الفَطِن ولا البليد، بل هو (( المتلقي الوسط ) )أو (( المتلقي العادي ) )الذي يمثِّل جمهور الناس الذين يتخاطبون بنفس اللغة.
? العنصر الرابع: سرعة إفضاء اللفظ إلى المعنى:
والمقصود بذلك سرعة إدراك (( المتلقي العادي ) )للمعنى المقصود للمتكلم من اللفظ فور تلقيه إياه. فإن كان اللفظ ـ مجردا عما حوله من القرائن الحالية والسياقية ـ سريعا في الإفضاء إلى المقصود بحيث لا يحتاج المتلقي في فهم هذا المقصود إلى إعمال الفكر، فاللفظ صريح، وإن احتاج إلى إعمال فكر، وأخذ ورد، وترجيح للاحتمالات أو تردد فيها، فاللفظ غامض.
فإن قلت: وما العلة في كون بعض النصوص المجردة سريعةً في الإفضاء إلى المعنى المقصود، وبالتالي صريحة، وبعضها ليس كذلك؟
فالجواب: هو أن ذلك يعود إلى ثلاثة عوامل:
أحدها: قوة القالب الصرفي-التركيبي الذي صاغ المتكلم فيه كلماته.
والعامل الثاني: قوة المادة المعجمية للكلمات التي حشا بها هذا القالب.
والعامل الثالث: الترابط المعنوي بين هذه الكلمات.
فمثلا القالب الصرفي-التركيبي المكون من: (اسم + فعل مضارع + فاعل + مفعول به) ، كالموجود في قوله تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} (البقرة:233) والموجود في قولنا: (( الأولاد يلبسون اللباس الأبيض ) )، قالبٌ تتردد دلالته بين الإخبار وبين الأمر، فيُحتمل أن يكون المقصود في المثال الأول الإخبار عن مدة الرضاعة أو إلزام الوالدات بهذه المدة، وفي المثال الثاني قد يكون المقصود الإخبار عما يلبسه الأولاد، أو قد يكون بيانا لنوع اللباس الذي يجب على الأولاد أن يلبسوه، كما في قول المعلم لتلاميذه قبل حفل التخرج: