(( الأولاد يلبسون اللباس الأبيض. والبنات يلبسن اللباس الأحمر ) )، أي: يجب عليهم أن يفعلوا ذلك. وعليه، كان هذا القالب، بمجرده، غير صريح في المعنى المقصود، لأنه يولِّد ترددا، وبالتالي بُطئا لدى المتلقي في فهم المراد. أما القالب المكون من (ما + الصيغة الصرفية أفْعَلَ + اسم منصوب + نغمة التعجب) ، كقول القائل: (( ما أجْمَلَ السماءَ! ) )، فهو صريح في إفادة معنى التعجب؛ لأنه لا يحتمل غير هذا المعنى بخلاف القالب الأول.
أما فيما يتعلق بالمواد المعجمية للكلمات التي يُحشى بها القالب الصرفي-التركيبي فهي، أيضا، تتباين في قوة الدلالة على المعنى: فمنها: المتشابه والمجمل والمؤول والمشترك، وهي كلمات ذات مواد معجمية غير صريحة، ومنها: الظاهر والنص، وهي كلمات ذات مواد معجمية صريحة. ولا شك بأن النص المشتمِل على بعض الكلمات ذات المواد المعجمية غير الصريحة ـ حتى لو كان صريح القالب ـ فإنه سيكون بشكل عام من قبيل غير الصريح إلا إذا أخذنا بعين الاعتبار العامل الثالث من العوامل التي تتوقف عليها صراحة اللفظ، وهو الترابط المعنوي بين الكلمات، فإن هذا العامل قد يجعل الكلمة غير الصريحة في نفسها صريحة بالنظر إليها مقترنة بباقي الكلمات في النص أو الخطاب. مثالُ ذلك: العبارة: (( نزلتُ إلى العين فشربتُ منها ) )، تشتمل على (( العين ) )، وهي كلمة غير صريحة إذا أخذناها مجردة ـ إذِ العين، كما هو معلوم، لفظٌ مشترك يُراد به العديد من المعاني ـ لكن لما اقترنت بالكلمتين: (( نزلتُ ) )، و (( شربتُ ) )، اتضح أن المراد بها هو عين الماء، فصار الخطاب ككل من قبيل الصريح. وفي أحيان أخرى قد لا يتوافر هذا الترابط، أو يتوافر لكنه يدق على الفهم فيكون النص أو الخطاب من قبيل غير الصريح. ومثال ذلك ما استدل به الشافعية من تأنيث لفظ الثلاثة في قوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ} (البقرة:228) على أن المراد بـ (( القروء ) )الأطهار لا الحيضات؛ لأن العدد يخالف المعدود تذكيرا وتأنيثا، فهذا مما يدق فهمه ولا يتنبه له المتلقي العادي.
فإن قلت: إذا كانت الصراحة تعتمد على سرعة الفهم، وسرعة الفهم تعتمد، بالدرجة الأولى، على قوتي القالب والكلمات في الدلالة على المعنى، فما هو السبب في كون بعض القوالب أو الكلمات قويا وبعضها الآخر ليس كذلك؟
فالجواب هو أن ذلك يعود إلى درجة شيوع استعمال القالب أو الكلمة، بين أهل التخاطب، في المعنى الذي قصده منهما المتكلم [1] .
(1) ولا شك أنه قد انتبه الفقهاء إلى تأثير (( شيوع الاستعمال ) )في صراحة اللفظ وعدمها. لكن الحنفية اعتبروا الشيوع في كلام الناس خاصة دون كلام الشارع وهو الأصح. والشافعية ترددوا بين الاعتبارين، ومن هنا فالصريح في الطلاق عند أبي حنيفة هو فقط لفظ الطلاق. أما الشافعية فأضافوا لفظي: الفِراق والسراح؛ لأنهما متكررين في القرآن في معنى الطلاق. قال البركتي الحنفي: (( الصريح عند الأصوليين: ما ظهر مراده بيِّنا، كقوله: أنت حر، أو هو اسمٌ لكلامٍ مكشوفِ المراد بسبب كثرة استعماله حقيقة كان أو مجازا. والصريحُ من الطلاق ما لم يُستعمل إلا فيه غالبا ) ) [قواعد الفقه، ص 349] . فانظر كيف جعل كثرة الاستعمال هي السبب في صراحة اللفظ. وقال ابن الهمام: (( الصريح: ما ظهر المراد منه لاشتهاره في المعنى [و] الكناية: ما خَفِي المراد به لتوارد الاحتمالات عليه ) ) [شرح فتح القدير، ج 4، ص 61] . وقال السيوطي الشافعي: (( اشتهر أن مأخذ الصراحة هل هو ورود الشرع به [أي اللفظ] أو شهرة الاستعمال؟ خلاف. وقال السبكي: الذي أقوله: إنها مراتب: أحدها: ما تكرر قرآنا وسنة، مع الشياع عند العلماء والعامة، فهو صريح قطعا، كلفظ الطلاق. الثانية: المتكرر [في كلام الشارع] غير الشائع [في كلام الناس] ، كلفظ الفراق والسراح، فيه خلاف. الثالثة: الوارد [غير المتكرر في كلام الشارع] غير الشائع [عند الناس] ، كالافتداء [في الدلالة على المخالعة] ، وفيه خلاف أيضا. الرابعة: وروده دون ورود الثالثة، ولكنه شائع على لسان حملة الشرع كالخلع، والمشهور أنه صريح. الخامسة: ما لم يَرِد، ولم يَشِع عند العلماء، ولكنه عند العامة مثل: حلال الله علي حرام [في الدلالة على الطلاق] والأصح أنه كناية ) ). [الأشباه والنظائر، ص 293] . وقال الزركشي: (( اعلم: أن ألفاظ العقود والفسوخ وما جرى مجراها تنقسم إلى صريح وكناية. والضابط، كما قاله الإمام [أظنه: إمام الحرمين] ، أن ما ورد في الشرع: إما أن يتكرر، أو لا. فإن تكرر حتى اشتهر، كالبيع والعتق والطلاق، فهو صريح. وإن لم يَشِع في العادة فإنَّ عُرْف الشَّرْع هو المتبع ... ) ). [المنثور، ج 2، ص 306] .