وخلاصة ما سبق، أن الدليل، بحسب القسمة الموضوعة، يُفضي إلى مدلوله بواسطة العقل أو الطبع أو الوضع. وأن ما دل عليه العقل فلا انفكاك له أبدا، وما دل عليه الطبع فانفكاكه أقل، وما دل عليه الوضع فينفك كثيرا بحسب تغيُّر الوضع.
والمتأمل في هذه القسمة الموضوعة لأنواع الدلالة يجد أنها قسمةٌ تحليلية تهدف إلى التبسيط لا إلى وصف ما يحدث في الواقع فعلا، إذ إن ما يحصل فيه أعقد بكثير. فالبشر، في سبيل وصولهم إلى المعلومات أو المدلولات التي يُدلي بها حدث أو واقعة ما، لا يستخدمون أنواع الدلالة المختلفة: العقلية، والطبيعية والوضعية، واحدة واحدة، أي بانفصال بعضها عن بعض، كما توحي به القسمة والأمثلة التي جُلبت على أقسامها، وإنما يمزجون بين هذه الدلالات، ويركِّبون بعضها على بعض على نحو عجيب حتى يصلون إلى مراداتهم. وخذ مثالا على ذلك هذه الواقعة: وهي أن رجلا سمع صوت استغاثة من بئر قريبة. وانظر معي كم هي كثيرةٌ ومتداخلةٌ المعلوماتُ أو المدلولات التي يتوصل إليها هذا السامع بواسطة أنواع الدلالة المختلفة.
فوجود الصوت (الأثر) يدله على وجود مؤثرٍ ما أحدث هذا الصوت. ونوع الصوت وكونه ذا دلالة معروفة يدلانه على أن محدثه واحد من البشر، فليس هو حيوانا مثلا، ثم هو إنسان حي لا ميت لأن الميت لا صوت له، وربما استطاع الرجل السامع عن طريق نوع الصوت ودرجة قوته أن يحدد جنس محدث الصوت: ذكرا أم أنثى، وعُمُرَه: كبيرا أم صغيرا، وحالتَه: مجهدا أم نَشِطا. واتجاه ورود الصوت يدله على مكان وجود محدث الصوت وهي البئر. ووجود محدث الصوت داخل البئر ـ وداخلُها ليس مكانا معتادا لوجود البشر ـ وطلبه النجدة، وضعفُ صوته وتهدُّجه، كل ذلك يدله على أن محدث الصوت ربما يكون قد سقط أو أُسقط في هذه البئر، وأنه ربما تأذى. وقول محدث الصوت: (( النجدة ) )، يدل السامع ـ تواضعا ـ على كونه يستغيث [1] .
(1) فإذا كان السامع، في سبيل وصوله إلى هذه المعلومات أو المدلولات المتعددة المنبثقة عن حدث بسيط، وهو سماع صوت استغاثة في ظرف ما، قد استخدم كل هذه الأنواع من الاستدلالات العقلية، والطبيعية، والوضعية، والمركبة من صنفين منها أو أكثر ـ ولا تظن أن استخدامه إياها يأتي متتابعا ويأخذ وقتا كما هو الحاصل في عرضنا لها، بل هو يستخدمها دفعة واحدة في وقت واحد أو في أوقات متقاربة جدا لا تعدوا اللحظات: ـ أقول: إذا كان استخدامه لكل هذه الأنواع من الاستدلالات من خلال معالجته حدثا بسيطا وسماعِه كلماتٍ محدودة، فما هو الحال في أنواع الاستدلالات التي يستخدمها في سبيل معالجته حدثًا أكثر تعقيدا، كما هو الحال فيما نحن بصدده من (( النص الشرعي ) )الذي يتناول موضوعا معينا ربما تكون له ارتباطات كثيرة، لهدف معين أو ربما لأهداف متعددة بعضها رئيس وبعضها ثانوي، في زمن ومكان معينين، وضمن ظرف معين، ويتوجه إلى مخاطب معين، ويصدر عن متكلم بوصف خاص وفريد؟! وعليه، فإنه، في نظري، لا يكفي ـ ولو بعُشر مِعشار ـ التعويلُ على الدلالة الوضعية المجردة، والتي تتمثل في مجرد ظاهر النص، في الوصول إلى مقصود الشارع من النص، بل لا بد من النظر إلى باقي الدلالات التي ترافق النص من عقلية وطبيعية. وهو ما نعنيه بضرورة النظر في (( القرائن ) )كوسيلة للوصول إلى مقصود الشارع من النص.