آخر، لفظي أو حالي مثلا، فيُنسب الدليل أو القرينة إلى هذا الآخر تمييزا له عن الدليل العقلي الخالص )) [1] .
ومما يظهر لدينا، عند التحقيق، أن القرينة العقلية، بشتى صورها، يمكن ردها إلى ضرب واحد من ضروب القرائن الحالية، وهي تلك القرائن التي أسميناها بحال الخطاب في نفسه، أو حال المخبر عنه في الخطاب، أو قرينة محل الكلام في لغة أصوليي الحنفية [2] .
تأمّل معي الأمثلة التالية التي وُصفت فيها القرينة أو الدلالة المؤثرة على النص بأنها عقلية:
1.قال أبو البركات ابن تيمية: في العبارة: (( رأيت أسدا يكتب ... إنما يُفهم [المراد المجازي بكلمة الأسد] بقرينة عقلية، وهو العلم بأن البهيمة لا تكتب ) ) [3] .
2.وقال الرازي: إن من أقسام (( الخطاب المبيَّن ) ): (( أن يظهر في العقل تعذر إجراء الخطاب على ظاهره، ويكون هناك أمر يكون حمل الخطاب عليه أولى من حمله على غيره، كما في قوله تعالى: وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا(يوسف:82 ) )) [4] .
3.وقال الغزالي: (( القرينة: إما لفظ مكشوف: ... وإما إحالة على دليل العقل: كقوله تعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} (الزمر:67) [5] ، وقوله، عليه السلام: (( قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن ) ) [6] . وإما قرائن أحوال ... )) [7] .
4.وقال الجصاص: (( ويجوز تخصيصه [أي اللفظ العام] بدلالة العقل، كقوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ(الحج:1) ، وفي عقولنا أن مخاطبة المجانين والأطفال بذلك سفه، فصارت الآية مخصوصة بالعقل؛ لأنه حجة لله تعالى، تُبين مراده بالآية، ولا فرق بينه وبين تخصيصه بقرآن أو سنة )) [8] .
5.وقال أبو الحسين البصري: (( اعلم أن القرينة المخصِّصة: إما أن تستقل بنفسها في الدلالة أو لا تستقل بنفسها. فإن استقلت بنفسها فهي ضربان: عقلية ولفظية. أما العقلية فنحو الدلالة الدالة
(1) زايد، أسلوب عكس الظاهر في ضوء أسلوب القرآن الكريم ولغة العرب، ص 125.
(2) انظر: ص 265 من هذه الدراسة.
(3) آل تيمية، المسودة، ص 90.
(4) الرازي، المحصول، ج 1، ص 473.
(5) فبقرينة العقل يُؤوَّل ـ على رأي الغزالي ـ ذكرُ اليد في الآية بالقدرة.
(6) مسلم، الصحيح، (4798) ، كتاب القدر، باب تصريف الله تعالى القلوب كيف شاء. وبقرينة العقل يُؤوَّل ـ على رأي الغزالي ـ ذكرُ الإصبع في الحديث بالقهر والتصرف.
(7) الغزالي، المستصفى، ج 1، ص 339،340.
(8) الجصاص، الفصول في الأصول، ج 1، ص 147.