الهوى بـ (( العقل ) )، ولأن هذا العقل هو نفسه آلة التمييز والفهم لدى الإنسان اشتق منه الفعل (( عَقَلَ ) )الشيء (( يعقله ) )بمعنى فَهِمَه [1] .
ولم يستخدم القرآن الكريم اللفظ (( عقل ) )للدلالة على آلة التمييز والفهم لدى الإنسان، وإنما نسب عملية التعقُّل وما إليها إلى القلب، كما في قوله تعالى: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (الحج:46) ، وقال تعالى: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (قّ:37) ، وقال تعالى: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا { (محمد:24) ، وقال تعالى:} إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ (الكهف:57) .
ويستخدم القرآن مرادفات أخرى للعقل، كـ (( الفؤاد ) )في قوله تعالى: مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (النجم:11) ، وكـ (( النُّهى ) )في قوله تعالى: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهَى (طه:54) ، وكـ (( اللب ) )في قوله تعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (آل عمران:190) ، وكـ (( الحِجْر ) )في قوله تعالى: هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (الفجر:5) .
ولقد اختلف العلماء من متكلمين وفلاسفة وفقهاء وأصوليين وأطباء وغيرهم في تعريف العقل حتى قيل: إن فيه ألفَ قول. قال ابن السمعاني: (( قد أكثر الناس الخلاف فيه [أي: العقل] قبل الشرع وبعده. ومن كثرة اختلاف الناس فيه قال بعضُهم:
سل الناس إن كانوا لديك أفاضلا ... عن العقل وانظر هل جوابٌ مُحَصَّلُ )) [2] .
وحَشْدٌ كبير من تعريفات العلماء للعقل أورده الزركشي في البحر المحيط [3] ، وكذا آل تيمية في المسودة [4] ، ولا غرض بنا إلى استقصاء هذه التعريفات وإيرادها؛ لأنها في نهاية المطاف ترتد إلى أربع تعريفات تمثل أربع استعمالات لمفهوم العقل على ألسنة أهل العلم. قال الغزالي، رحمه الله تعالى: (( اعلم أن الناس اختلفوا في حدِّ العقل وحقيقته، وذهل الأكثرون عن كون هذا الاسم مطلقا على معان مختلفة، فصار ذلك سبب اختلافهم. والحق الكاشف للغطاء فيه أن العقل اسم يُطلق بالاشتراك على أربعة معان، كما يُطلق اسم العين على معان عدة. وما يجري هذا المجرى فلا ينبغي أن يُطلب لجميع أقسامه حدٌّ واحد بل يُفرد كل قسم بالكشف عنه.
(1) انظر: ابن منظور، لسان العرب، ج 11، ص 458.
(2) ابن السمعاني، قواطع الأدلة، ج 1، ص 27.
(3) الزركشي، البحر المحيط، ج 1، ص 84 ـ 90.
(4) آل تيمية، المسودة، ص 496 ـ 500. وانظر للمزيد: إبراهيم: مصطفى إبراهيم، مفهوم العقل في الفكر الفلسفي، دار النهضة العربية، بيروت، 1993 م. ومعروف: نايف، الإنسان والعقل، سبيل الرشاد، بيروت، ط 1، 1415 ه =1995 م. وشلق: علي، العقل في مجرى التاريخ، دار المدى، بيروت، ط 1، 1985 م.