المادة المعجمية للخطاب قرينة، وهو: ابتلعت الكمثرى الأفعى، قلنا بأن المادتين المعجميتين: لـ (( الكمثرى ) )ـ وهو كونها ثمرة تؤكل ـ ولـ (( الأفعى ) )ـ وهو كونها حيوانا آكلا ـ دلتا على أن الفاعل في الجملة المذكورة هو الأفعى والمفعول هو الكمثرى لا العكس. وفي هذا المثال أيضا، يمكننا القول، وعلى النَّسَق نفسه، بأن (( حال المخبر عنه ) )ـ وهو، أيضا، الأفعى والكمثرى ـ هو الذي دلنا على أن الأفعى فاعل والكمثرى مفعول لا العكس. وإذن، فثمة ترادف بين القرينة المعنوية، والتي هي عبارة عن المواد المعجمية لمفردات الخطاب في حال تأثيرها في بعضها البعض، وبين قرينة (( حال المخبر عنه ) )في الخطاب. وما هذا إلا لأن (( المخبر عنه ) )لا يعدو كونه المدلول أو المعنى الخارجي لكلمات الخطاب، والمدلول أو المعنى الخارجي لكلمات الخطاب هو نفسه مدلول المادة المعجمية لتلك الكلمات. ومما يدل على هذا التداخل أو الترادف بين قرينة المادة المعجمية للمقال، أو القرينة المعنوية، وبين قرينة (( حال المخبر عنه ) )، في لغة أهل العلم، أن الجرجاني صاحب (( التعريفات ) )خيَّر في القرينة في مثل المثال: ابتلعت الكمثرى الأفعى، أن تُسمى بالقرينة المعنوية أو بالقرينة الحالية، فقال:
(( القرينة:
1.إما حالية أو معنوية:
2.أو لفظية، نحو ضرب موسى عيسى، وضرب من في الدار من على السطح، فإن الإعراب والقرينة منتف فيها، بخلاف: ضربت موسى حُبلى، أكل موسى الكمثرى، فأن الأول: قرينة لفظية، [وهي تاء التأنيث في (( ضربت ) )] ، وفي الثاني: قرينة حالية [وهي المادة المعجمية لـ (( الكمثرى ) )] )) [1] . وقال صاحبا (( المعجم المفصل في علوم اللغة ) )في تعريف القرينة المعنوية: (( هي الدليل الحالي، أي ما يُفهم من الملابسات المحيطة بالمتكلم من دون استعانة بكلام ) ) [2] ، فجعلا القرينة المعنوية مرادفة للدليل الحالي. وقال الجصاص في قوله تعالى: {إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولًا} (الإسراء:34) : (( إن العهد كان مسئولا، معناه: مسئولا عنه للجزاء فحُذف اكتفاءً بدلالة الحال ) ) [3] ، وقال في قوله تعالى: {وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ} (الأحزاب:35) بأن المراد (( والذاكرات الله، ولكنَّه حُذف لدلالة الحال عليه ) ) [4] . ومن الواضح في الآيتين أن الدال على الحذف هو المادة المعجمية للمفردات التي ضمّتها كلا الآيتين.
(1) الجرجاني، التعريفات، ص 223،224.
(2) تونجي والأسمر، المعجم المفصل في علوم اللغة، ج 1، ص 466.
(3) الجصاص، أحكام القرآن، ج 5، ص 27.
(4) الجصاص، أحكام القرآن، ج 5، ص 140.