فهرس الكتاب

الصفحة 289 من 384

وفي حالة ما إذا قلنا بأن مقال الخطاب يضم أكثر من جملة واحدة إحداها مقصودة أصالة من سوق الخطاب، والباقي مقصودة بالتبع، فإن التداخل بينه وبين الحال التي ورد فيها الخطاب ربما يظهر مجددا في كون بعض الجمل المقصودة بالتبع هي نفسها تدل على حال من الأحوال التي ورد فيها الخطاب. فقوله، صلى الله عليه وسلم: (( إنما نهيتكم [عن ادخار لحوم الأضاحي] من أجل الدافّة التي دفت فكلوا وادخروا وتصدقوا ) ) [1] ، هو نص يتكون من أربع جمل: (( إنما نهيتكم من أجل الدافة التي دفت ) )، و (( فكلوا ) )، و (( وادخروا ) )، و (( وتصدقوا ) ). والجملة المقصودة بالدرجة الأولى من هذه الجمل الأربع هي الجملة: (( وادخروا ) )؛ لأن مناسبة ورود هذا الحديث دلت على أنهم سألوه عن الادخار لا عن الأكل ولا عن الصدقة ولا عن سبب المنع. وأما الجملة الأولى فهي جملة تمهيدية تعليلية. وهذه الجملة على الرغم من أنها يمكن أن تشكِّل جزءا من مقال الخطاب، فإنها، في الوقت نفسه، تدل على قرينة حالية محتفة بالخطاب، ألا وهي السبب الذي ورد بشأنه حكم منع الادخار وإباحته، وهو دفوف الدافة. وإذن، فمقال الخطاب هو الذي دل على السبب الذي ورد بشأنه الخطاب، أي أن المادة المقالية هي التي أرشدت إلى القرينة الحالية.

وبنفس الصورة يحدث التداخل والتقاطع بين الحال والسياق. فالسياق، في كثير من الأحيان، يكون هو الأداة الفاعلة، وربما الوحيدة، في الكشف عن الحال أو الأحوال التي ورد فيها الخطاب، كأن يكشف عن سبب الخطاب، أو عن حال المتكلم وأوصافه، أو عن حال المخاطَب، وغير ذلك من الأحوال التي تؤثر معرفتُها على معنى الخطاب. فانظر إلى قول الشاعر:

قبيلة لا يغدرون بذمة ولا يظلمون الناس حبة خردل

فإنه لم يتبين المقصود منه هل هو الذم أو المدح حتى نظرنا في البيت الذي قبله، أي في السياق الذي ورد فيه هذا البيت، وهو قوله:

إذا الله عادى أهل لؤمٍ ورقةٍ فعادى بني العجلان رهطَ ابنَ مقبل

وهاهنا يمكننا القول بأن السياق هو القرينة التي أرشدتنا إلى مقصود الشاعر في البيت السابق، كما ويمكننا القول، وعلى النسق نفسه، بأن الحال التي دل عليها السياق، وهي حال الهجاء، هي التي دلتنا على المقصود في البيت محل النظر. إذن: السياق دلنا على الحال، والحال دلتنا على المقصود. فإذا حذفنا الواسطة ـ وهي الحال ـ صح قولنا بأن السِّياق

(1) مسلم، الصحيح، (3643) ، كتاب الأضاحي، باب بيان ما كان من النهي عن لحوم الأضاحي بعد ثلاث وبيان نسخه وإباحته إلى متى شاء. قال النووي: (( قوله، صلى الله عليه وسلم:(إنما نهيتكم من أجل الدافة التي دفت) قال أهل اللغة: (الدافَّة) بتشديد الفاء: قوم يسيرون جميعا سيرا خفيفا , ودفَّ يدِف بكسر الدال , ودافة الأعراب: من يرد منهم المصر , والمراد هنا من ورد من ضعفاء الأعراب للمواساة ... )). النووي، شرح صحيح مسلم، ج 13، ص 30،31.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت