هو القرينة على المقصود، وإذا نظرنا إليها قلنا بأن الحال التي أرشد إليها السياق هي القرينة على المقصود.
ولأجل هذه العلاقة وهذا التداخل بين الحال والسياق فإنك تجد الأصوليين يراوحون بين ذكر السياق وذكر الحال عند تأثيرهما على الخطاب. فمثلا، قال العز وابن القيم في قوله تعالى: {ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ} (الدخان:49) بأنه وارد في سياق الذم [1] ، بينما قال الجصاص وابن قدامة في قول الشاعر:
قبيلة لا يغدرون بذمة ولا يظلمون الناس حبة خردل
بأنه وارد في حال الذم [2] . فانظر كيف أضاف بعضهم السياق إلى الذم بينما أضاف البعض الآخر الحال إليه. والقولان صحيحان ويدلان على وثوقية العلاقة بين الحال والسياق.
وقال الغزالي في وجه دلالة النص على (( مفهوم الموافقة ) )أو (( فحوى الخطاب ) ): (( وأما فحوى الخطاب، وهو فهم تحريم الضرب من آية التأفيف:
فقال قائلون: إنه قياس؛ لأنه ليس بمنصوص وهو ملحق بالنص، ولا معنى للقياس سواه.
وقال القاضي ليس بقياس؛ لأنه مفهوم من فحوى فهم المنصوص من غير حاجة إلى تأمل وطلب جامع.
والمختار: أنه من المفهوم، لا لما ذكره القاضي؛ إذ لا يبعُد في العرف أن يقول الملك لخادمه: اقتل الملك الفلاني ولا تواجهه بكلمة سيئة، فليس فَهْم ذلك من اللفظ من صورته. ولكن لسياق الكلام، وقرينة الحال، فُهِم على القطع، إذ الغرض منه الاحترام، فلا يُعد قياسا. والخلاف آيلٌ إلى عبارة )) [3] .
فانظر إليه كيف جمع بين قرينة السياق وقرينة الحال في المثال نفسه كمصدرٍ دال على المعنى المفهوم بالموافقة مما يشير، أيضا، إلى وثوقية العلاقة بينهما.
أما التلمساني فقد لاحظ قرب العلاقة بين السياق والحال، فقال: (( ... القرائن الحالية: وهي قريبة من السياقية. وهي لا تنضبط ) ) [4] .
وخلاصة القول في العلاقة بين الحال وبين المقال والسياق هو أن الحال تتميز عن المقال والسياق في أنها ليست مادة لغوية لفظية صادرة عن المتكلم، لكنها، مع ذلك، لا تتبين ولا يقف المتلقي عليها، في كثير من الأحيان، إلا من خلال مقال الخطاب أو السياق الذي ورد فيه. وفي حال تبينها عن هذه الطريق يصح القولان: القول بأن السياق أو المادة المقالية هو القرينة المؤثرة على دلالة الخطاب، والقول بأن القرينة الحالية هي القرينة المؤثرة عليه.
(1) انظر قوليهما: ص 221.
(2) انظر قوليهما: ص 248،250.
(3) الغزالي، المنخول، ص 334،335.
(4) التلمساني، مفتاح الوصول، ص 53.