فهرس الكتاب

الصفحة 326 من 384

البرلمان، أو على المسرح أو في استاد رياضي، أو في حديقة عامة، أو في مخيم كشفي ... الخ. ثم إنه ربما قيل صباحا أو ظهرا أو عشية أو بعد منتصف الليل ... الخ. وربما قيل قبل شهر من الزمان أو سنة أو عقد أو قرن أو عدة قرون. وربما قيل والجو صحو أو ممطر أو بارد أو حار أو معتدل أو غائم أو مشمس ... الخ. فكل هذه البيئات والظروف المكانية والزمانية قد تؤثر على معنى الخطاب بشكل أو بآخر. ونحن لا نزعم بأنها تؤثر على معنى الخطاب حتما وفي كل حال، بل بحسب الخطاب وبحسب المتخاطبين. فرب خطاب يتأثر بها وآخر لا يتأثر. وللوقوف على تأثير (( البيئة الأخص ) )على معنى الخطاب تأمل معي هذا الحوار الذي جرى بين الصديقين: زيد وعمرو، على الهاتف:

• زيد: أنا انتظرك منذ عشرة دقائق فلِمَ لم تأت.

• عمرو: لقد أخرني شيء هام جدا سأخبرك به عندما أراك، وعلى كل حال سأكون لديك بعد خمسة دقائق.

• زيد: لا أستطيع أن أنتظرك أكثر من هذا، فلا تأتي إلي.

إن الناظر في هذا الحوار مجردا قد يخرج لأول وهلة باستنتاج ـ والاستنتاج هو معنى لازم يدخل في المعنى الكامل للخطاب ـ هو أن زيدا ليس محقا فيما رد به على عمرو، وأنه لم يقدِّر الصحبة حين أعلن عن عدم انتظاره لعمرو لفترة محدودة جدا، لا سيما أن عمروا قد أخبره بأنه لم يتأخر تقصيرا وإنما لشيء هام أعاقه عن الموعد. وبناء عليه، يمكنه الاستنتاج أيضا، أن زيدا هو رجل ضيق الخلق وسريع الغضب وقليل الإعذار.

لكن ماذا لو عرفنا بأن زيدا كان في انتظار عمرو ليأخذه معه في طريقه إلى العمل، وأنه كان يكلمه من هاتف عمومي على الشارع في المكان المتواعَد عنده. وأن الجو كان باردا جدا وممطرا بشكل كثيف. وأنه كان يكلم عمروا الساعة الثامنة إلا عشرة دقائق، وأن بدء دوامه في وظيفته هو الساعة الثامنة. وأنه تستغرقه المسافة من مكان الانتظار إلى مكان وظيفته خمسة عشر دقيقة، وأنه على علاقة غير حميدة مع مديره في العمل بحيث إنه لا يرحمه إذا تأخر؟ إذا عرفنا كل هذا لا شك أنا لن نستنتج شيئا من المعاني التي استنتجها آنفا الناظرُ في الحوار مجردا. فما الذي أضفناه إلى خطاب زيد ـ بهذه المعلومات التي قلناها ـ حتى جَعَلَنا ننفي عنه ضيق الخلق وسرعة الغضب وقلة الإعذار؟ إنه مكان الخطاب وزمانه والظرف المناخي الذي كان يكتنفه. أي أنه (( البيئة الأخص ) )للخطاب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت