فهرس الكتاب

الصفحة 327 من 384

وفي قوله، صلى الله عليه وسلم: (( إذا أتى أحدُكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يولِّها ظهره. شرِّقوا أو غربوا ) ) [1] . تتدخل البيئة المكانية التي قيل فيها هذا النص، وهي البيئة العربية الصحراوية في المدينة المنورة وما حولها، فتؤثر على دلالته، وذلك من جهتين:

إحداهما: من جهة جعل النهي عن الاستقبال والاستدبار مختصا بقضاء الحاجة في الفضاء دون البنيان مع أن ظاهر النهي العموم. قال الإمام الشافعي، رحمه الله تعالى: (( كان القوم عربا، إنما عامة مذاهبهم في الصحارى. وكثيرٌ من مذاهبهم لا حُشَّ فيها يسترهم. فكان الذاهب لحاجته إذا استقبل القبلة أو استدبرها استقبل المصلِّي بفرجه أو استدبره. ولم يكن عليهم ضرورة في أن يشرِّقوا أو يغرِّبوا، فأُمروا بذلك. وكانت البيوت مخالفة للصحراء، فإذا كان بين أظهرها، كان من فيه مستترا، لا يراه إلا مَن دخل أو أشرف عليه، وكانت المذاهب بين المنازل متضايقة لا يمكن من التحرف فيها ما يمكن في الصحراء ) ) [2] . وقد تأيد هذا الذي قاله الشافعي بفعل النبي، صلى الله عليه وسلم، إذ رآه ابن عمر، رضي الله عنه، في البنيان قد قعد لحاجته مستقبلا بيت المقدس [3] .

والجهة الثانية: بجعل الأمر بالتشريق والتغريب عند قضاء الحاجة، المستفاد من قوله، صلى الله عليه وسلم: (( شرقوا أو غربوا ) )، خاصا بأهل المدينة ومن في حكمهم ممن تكون القبلة في جهة الجنوب منه كأهل الشام. قال ابن دقيق العيد: (( قوله: (( شرقوا أو غربوا ) )محمول على محل يكون التشريق والتغريب فيه مخالفا لاستقبال القبلة واستدبارها، كالمدينة التي هي مسكن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وما في معناها من البلاد، ولا يدخل تحته ما كانت القبلة فيه إلى المشرق أو المغرب )) [4] . وقال ابن حجر: (( إن خطابه، صلى الله عليه وسلم، قد يكون عاما، وهو الأكثر، وقد يكون خاصا، كما قال: (( لا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول ولكن شرقوا أو غربوا ) )، فقوله: (( شرقوا أو غربوا ) )ليس عاما لجميع أهل الأرض، بل هو خاص لمن كان بالمدينة النبوية وعلى سمتها )) [5] .

(1) البخاري، الصحيح، (141) ، كتاب الوضوء، باب لا تستقبل القبلة ببول أو غائط إلا عن البناء جدار أو نحوه. مسلم، الصحيح، (388) ، كتاب الطهارة، باب الاستطابة.

(2) الشافعي، اختلاف الحديث، ص 227.

(3) البخاري، الصحيح، (142) ، كتاب الوضوء، باب من تبرز على لبنتين.

(4) ابن دقيق العيد: أبو الفتح تقي الدين، إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام، دار الكتب العلمية، بيروت، ج 1، ص 54.

(5) ابن حجر، فتح الباري، ج 10، ص 177.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت