النص الشرعي، وتأثير البيئة التي قيل فيها عليه:
النص ـ كما هو معلوم ـ ينزع نزعة عمومية في الأعيان والأزمان والأمكنة. لكنَّ هذه النزعة لا تقوى على منعه من أن يتأثر بالبيئة العربية التي تشكل فيها، بكل ما حوته هذه البيئة من عقائد وتصورات وقيم وعادات وثقافات وأنماط معيشة وسلوك ولباس ومناخ وصحراء وتجارة وإبل وأعراب وأمية ... الخ. ولا نقصد بتأثر النص بهذه البيئة كونه يقف عند حدود جزيرة العرب مكانا وزمانا ثم يفقد دلالته فيما وراء ذلك، كما يدندن حول ذلك دعاة (( تاريخية النص ) )من عَلمانيي هذا الزمان. وإنما يستمر بالسير قُدمًُا خارج حدود البيئة العربية الزمانية والمكانية، لكن لا بكامل دلالته كما يقول الظاهريون والحرفيون، وإنما بفقدان شيء منها هو فقط ما ارتبط منه بالبيئة العربية التي تشكل فيها. وهذا هو مذهب أهل الوسط من جماهير الأصوليين والفقهاء على تفاوت بينهم في درجة تجريد النص من خصوصياته البيئية. وأما المنكرون لـ (( تغير بعض الأحكام بتغير الأزمان ) )هكذا بإطلاق، فنقول لهم: هل تجادلون في أن قوله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} (لأنفال:60) وبالذات قوله: (( ومن رباط الخيل ) )، مرتهن بزمانه التاريخي الذي نزل فيه، وأنه فقد دلالته الحرفية ـ والتي كانت فعَّالة في عصر نزول النص ـ في عصرنا الحالي؟ فإن قالوا: لا ننكر ذلك، فقد أقروا بتغير بعض الأحكام بتغير الأزمان وبطل مطلق قولهم. وإن قالوا: بل ننكره فهو مكابرة للمنطق وللمعقول، وليس لنا حديث مع من يكابر.
فالنص، إذن، لا يفقد دلالته العامة خارج بيئته الأولى كما يقول دعاة التاريخية، ولا يحافظ عليها كاملة كما يقول دعاة الحرفية، بل يفقد جزءا منها هو ما عَلِق به من جراء البيئة العربية كما نقول نحن، وهو ما تدل عليه أبحاث الأصوليين في تأثير كل من الأعراف والعلل والمصالح التي استهدفها النص على دلالته بشكل أو بآخر.
ولعل أكثر الأصوليين تركيزا على ضرورة تدبر النص الشرعي في ضوء البيئة التي قيل فيها هو الشاطبي، رحمه الله تعالى، حتى إنه ليمكن عده من المغالين في تأثير البيئة على النص. ولقد تطرّق الشاطبي لموضوع البيئة والنص في أكثر من موضع من كتابه الموافقات:
? فمن ذلك قوله في بداية مقاصد الشريعة من حيث وضعها للإفهام: (( المسألة الأولى: إن هذه الشريعة المباركة عربية لا مدخل فيها للألسن العجمية، و ... المقصود هنا أن القرآن نزل بلسان العرب على الجملة، فطلب فهمه إنما يكون من هذا الطريق خاصة؛ لأن الله تعالى يقول: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا} (يوسف:2) إلى غير ذلك مما يدل على أنه عربي وبلسان