فهرس الكتاب

الصفحة 324 من 384

عليه وسلم، ورأيت غفلة ببعض العلماء عن هذا الحال من تصرفاته وقوعا في أغلاط فقهية كثيرة، وفي حمل أدلة كثيرة من السنة على غير محاملها. وبالاهتداء إلى هذا انْدَفَعَتْ عني حيرة عظيمة في تلك المسائل. فقد كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لأصحابه مشرعا لهم بالخصوص، فكان يحملهم على أكمل الأحوال، من شد أواصر الأخوة الإسلامية بأجلى مظاهرها والإغضاء عن زخرف هذه الدنيا، وألا يغالوا في الإقبال على الدين وفهمه؛ لأنهم أُعدوا ليكونوا حملة هذا الدين وناشري لوائه ... ويشهد لهذا ما رواه أبو داود عن علي بن أبي طالب أنه قال: (( نهى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عن لبس القسي وعن لبس المعصفر، وعن تختم الذهب، وعن القراءة في الركوع، ولا أقول نهاكم ) ) [1] . يعني أن بعض هذه المنهيات لم ينه عنها جميع الأمة بل خص بالنهي عليا ... وعلى هذا النحو يُحمل حديث رافع بن خديج عن عمِّه ظهير بن رافع أنه قال: (( لقد نهانا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عن أمر كان بنا رافقا، قال رافع: قلت: ما قال رسول الله فهو حق ... دعاني رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال: ما تصنعون بمحاقلكم؟ قلت نؤاجرها على الربع، وعلى الأوسق من التمر والشعير. قال: لا تفعلوا. ازرَعوها أو أَزرِعوها أو أمسكوها. قال رافع: قلت: سمعا وطاعة ) ) [2] . فتأوَّله معظم العلماء على معنى أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أمر أصحابه أن يواسي بعضهم بعضا؛ ولذلك ترجم البخاري هذا الحديث بقوله: (( باب ما كان أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يواسي بعضهم بعضا في الزراعة والثمرة ) ))) [3] .

(1) أبو داود، السنن، (3525) .كتاب اللباس، باب من كرهه، أي لبس الحرير. ورجاله موثوقون.

(2) البخاري، الصحيح، (2171) ، كتاب المزارعة، باب ما كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يواسي بعضهم بعضا في الزراعة والثمرة. مسلم، الصحيح، (2886) كتاب البيوع، باب كراء الأرض بالطعام ..

(3) ابن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلامية، ص 147 ـ 150.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت