فهرس الكتاب

الصفحة 323 من 384

ب. وأما ناحية النوع فهي لا تنحصر. فقد يكون نوع العلاقة من قبيل ما بين العبد والرب أو العكس، أو ما بين العبد والسيد أو العكس، أو ما بين المدير والموظف أو العكس، أو ما بين الرجل وزوجه أو العكس. أو ما بين الأب وابنه أو العكس، أو ما بين الأخ وأخيه الأصغر أو العكس. أو ما بين الصديق وصديقه، أو الزميل وزميله، أو الجار وجاره، وهكذا ... . وكل نوع من هذه العلاقات ينفرد بنمط خاص من التأثير على معنى الخطاب قد يقترب من باقي الأنواع الأخرى وقد يبتعد.

وأما بخصوص النص الشرعي: فمما لا شك فيه أن (( الرتبة ) )بين المتكلم والمخاطب هي ثابتة بالنسبة إليه، وتمثِّل درجة الأعلى إلى الأدنى، فالمتكلم هو الله، تعالى، أو النبي، صلى الله عليه وسلم [1] ، والمخاطب هو عموم أو خصوص المكلفين. وأما نوع العلاقة فهو متغير نوعا ما، فثمة خطاب من الله تعالى موجه للمؤمن، وآخر للكافر، وآخر لبني إسرائيل، وآخر لمشركي مكة، وآخر للأعراب، وآخر للنبي، صلى الله عليه وسلم، وهكذا ... . لكن تأثير هذا التنوع في العلاقة على معنى الخطاب لا شك أنه محدود؛ وذلك للأصل القاضي بعموم الخطاب في الزمان والمكان والأشخاص، أي أنه حتى الخطاب الموجه للنبي، صلى الله عليه وسلم، هو خطاب للأمة إلا أن يدل دليل على الاختصاص. وما قلناه ينطبق بشكل أساس على القرآن، أما السنة، فإنها على الرغم من دخولها في أصل العموم آنف الذكر، إلا أنه قد يمكن القول بأن خطاب النبي، صلى الله عليه وسلم، قد يتأثر معناه بحسب نوع العلاقة التي تربطه، صلى الله عليه وسلم، بالمخاطب. فخطابه، صلى الله عليه وسلم، أزواجه مثلا يختلف عن خطابه جماعة المسجد ويختلف عن خطابه المشركين والمنافقين، وهكذا ... . ومن هنا رأى العلامة الطاهر بن عاشور أن ثمة أوامر نبوية خُوطب بها من ارتبط بالنبي، صلى الله عليه وسلم، بعلاقة الصحبة خاصّة، وذلك حملا لنفوسهم على الأكمل من الأحوال. قال، رحمه الله تعالى: (( وأما حال طلب حمل النفوس على الأكمل من الأحوال، فذلك كثيرٌ من أوامر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الراجعة إلى تكميل نفوس أصحابه، وحملهم على ما يليق بجلال مرتبتهم في الدين، من الاتصاف بأكمل الأحوال مما لو حُمل عليه جميع الأمة لكان حرجا عليهم. وقد رأيت ذلك كثيرا في تصرفات رسول الله، صلى الله

(1) لم نر من فرق من الأصوليين بين خطاب الله تعالى وخطاب النبي، صلى الله عليه وسلم، من حيث الدرجة إلا بعض المالكية القائلين بأن الأصل أن تحمل أوامر الله، تعالى، على الوجوب، وأوامر النبي، صلى الله عليه وسلم، على الندب. وهذا القول منهم يدل على ملاحظتهم أن ثمة تفاوتا في الرتبة بين الأمر القرآني والأمر النبوي انعكس على درجة الإلزام المستفاد من الأمر في الحالتين. والله أعلم. انظر: الباجي، إحكام الفصول، ج 1، ص 204. والزركشي، البحر المحيط، ج 2، ص 369.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت